غزوة احُد فحسب ، ولم نتطرّق إلى مواصفات غزوة احُد ووقائعها كلّها ، وهي كثيرة . ومَن وقف على تفاصيل تأريخها ، وجد أنّ المشركين لم يحاربوا المسلمين يومئذٍ ، بل ذبحوهم وقطّعوهم إرباً إرباً بسواطيرهم . مع ذلك لم يفكّر النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله بإراقة الدماء وارتكاب المذابح ، ولم يحاول التدارك وتسكين الفورات العاطفيّة ، بل كان يدافع لا غير . وكان هذا دأبه كلّما حملوا عليه . ولم يأمر بالقتل والسلب والغارة بعد أن وضعت الحرب أوزارها . إذ إنّ مهمّته الربّانيّة لم تكن القتل والذبح ، بل كانت مهمّته هداية المشركين وارشادهم إلى الإسلام . وأنّ أخلاقه العظيمة وصفاته الكريمة هي التي دفعتهم إلى الإسلام ، وقد أسلم كثير من امراء جيشهم كخالد بن الوليد ، وعكرمة بن أبي جهل . فلاحظوا كم كانت مهمّته دقيقة ، إذ جمع بين الدفاع والقتل ، وبين إمساك يده رجاء إسلامهم وهدايتهم .
وكان أولئك الكافرون من أرحام رسول الله صلى الله عليه وآله ، بل كان بعضهم من أرحامه القريبين . وكانوا منه بمنزلة الأبناء ، ولكن أيّ أبناء ! أبناء متغطرسون ومغرورون قطعوا قرابة خمسمائة كيلومتر من مكّة إلى المدينة لإطفاء النور النبويّ وبتلك الطريقة المعروفة لئلّا تكون الرئاسة والإمارة للنبيّ صلى الله عليه وآله ، ولكي لا ينقادوا لحكمه .
وهذا جهل ، وهو جهل عميق مشوب بالكبر والحسد والغِلّ والانتقام والطمع ، بَيدَ أنّ الرسول الكريم صلى الله عليه وآله واجه تلك الأفعال السيّئة القبيحة بدعائه المعروف : اللهُمَّ اهْدِ قَوْمي فَإنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . « 1 »
هامش
( 1 ) - « روضة الصفا » مير خواند ، ج 2 ، الطبعة الحجريّة . وقال القمّيّ في « سفينة البحار » ج 1 ، ص 412 : قال القاضي عياض في « الشفاء » : وروى أنّه لمّا كسرت رباعيّته وشجّ وجهه يوم احُد ، شقّ ذلك على أصحابه شديداً وقالوا : لو دعوتَ عليهم ! فقال : إنّي لم ابعث لعّاناً ولكنّي بُعِثتُ داعياً ورحمة . اللهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون .
ثمّ قال القاضي بعد رواية أخرى قريبة من ذلك : انظر ما في هذا القول من جماع الفضل ودرجات الإحسان وحسن الخُلق وكرم النفس وغاية الصبر والحلم ، إذ لم يقتصر صلى الله عليه وآله على السكوت عنهم حتى عفى عنهم ثمّ أشفق عليهم ورحمهم ودعا وشفّع لهم ، فقال : اللهمّ اغفر أو اهدِ ، ثمّ أظهر بسبب الشفقة والرحمة بقوله : لقومي ، ثمّ اعتذر عنهم بجهلهم ، فقال : فإنّهم لا يعلمون .
أقول : ما أجمل ما أنشده الشاعر الفارسيّ في وصفه صلى الله عليه وآله :اي قمر طلعت ومكّى مطلع * مَدَنى مهد ويماني برقع
شقّة برقع تو برق افروز * لمعة نور رُخت برقع سوز
ليلة القدر ز مويت ثاري * وحى منزل ز لبت گفتارى
با تو آنان كه در جنگ زدند * دُرّ دندان تو را سنگ زدند
گوهرين جام لبت را خستند * ساغر دولت خود بشكستند
دُر دندانت به خون پنهان شد * رشته لؤلؤ تو مرجان شد
گوئيا صيرفي مُلك ومَلَك * زد از آن سنگ زرت را به محك
لا جرم حُقّهات از ضربت سنگ * اهد قومي به برون داد آهنگيقول : « يا قمر الطلعة ويا مكّيّ المطلع ، يا مدنيّ المهد ويا يمانيّ البرقع .
إنّ قطعة برقعك تضيء البرق ، وإنّ تألّق نور وجهك يُحرق البرقع .
إنّ ليلة القدر شعرة واحدة منك ، وإنّ الوحي المنزل كلام من شفتك .
إنّ الذين طرقوا عليك باب القتال ، وحَصَبوا درّ أسنانك .
وجرحوا شفتك التي هي كالجوهرة ، إنّما كسروا كأس حظّهم .
لقد اختفى درّ أسنانك بالدم ، وصارت أسنانك مرجاناً .
كأنّ صيرفيّ المُلك والمَلَك ( الله تعالى ) أراد أن يضع حجر ذهبك على المحك ( أراد اختبارك ) .
لا جَرَم أنّ ما نطق به فمك وما ردّدته نغمة صوتك بعد ضربك بالحجر هو دعاؤك : اللهمّ اهدِ قومي إنّهم لا يعلمون » .