وارتكابه .
وهذا أمر أخبر به النبيّ صلى الله عليه وآله أيضاً كما أخبر به القرآن ، وأنّ الاختلاف سيدبّ في امّته ، ثمّ يظهر في صورة الفرق المتنوّعة ، وأنّ امّته ستختلف كما اختلفت اليهود والنصارى من قبل . وستجيء الرواية في البحث الروائيّ .
وقد صدق جريان الحوادث هذه الملحمة القرآنيّة . فلم تلبث الامّة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله دون أن تفرّقوا شذر مدر ، واختلفوا في مذاهب شتّى بعضهم يكفّر بعضاً من لدن عصر الصحابة إلى يومنا هذا . وكلّما رام أحد أن يوفِّق بين مختلفين منها ، أولد ذلك مذهباً ثالثاً .
والذي يهدينا إليه البحث بالتحليل والتجزية أنّ أصل هذا الاختلاف ينتهي إلى المنافقين الذين يغلظ القرآن التقوّل فيهم وعليهم ، ويستعظم مكرهم وكيدهم . فإنّك لو تدبّرت ما يذكره الله تعالى في حقّهم في سور البقرة . والتوبة ، والأحزاب ، والمنافقون ، وغيرها لرأيت عجباً . وكان هذا حالهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولمّا ينقطع الوحي . ثمّ لمّا توفّاه الله ، غاب ذكرهم وسكنت أجراسهم دفعة .
كَأن لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفَا * أنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ
ولم يلبث الناس دون أن وجدوا أنفسهم وقد تفرّقوا أيادي سبأ . وباعدت بينهم شتّى المذاهب ، واستعبدتهم حكومات التحكّم والاستبداد ، وأبدلوا سعادة الحياة بشقاء الضلال والغي ، والله المستعان . والمرجوّ من فضل الله أن يوفّقنا لاستيفاء هذا البحث في سورة براءة إن شاء الله . « 1 »
هامش
( 1 ) - « الميزان في تفسير القرآن » ج 3 ، ص 412 و 413 . روى المحدّث العظيم السيّد هاشم البحرانيّ في « غاية المرام » ص 212 ، الحديث السابع عن العامّة ، عن أبي إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم الثعلبيّ في الجزء الثاني من تفسيره عند تفسير قوله تعالى في سورة آل عمران : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ، بسنده المتّصل عن عطيّة العَوْفيّ ، عن أبي سعيد الخُدريّ أنّه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : أيّها الناس إنِّي تركت فيكم الثقلين خليفتين إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي ، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء في الأرض - أو قال : إلى الأرض - وعترتي أهل بيتي ، ألا وإنَّهُما لن يفترقا حتى يردا عَلَيّ الحَوض .
وقال الإمام الفخر الرازيّ في تفسير « مفاتيح الغيب » ج 3 ، ص 24 ، طبعة دار الطباعة العامرة ، مصر ، في سياق تفسير الآية : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ . . . : روى عن أبي سعيد ، عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله قال : إنّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ : كِتَابَ اللهِ تعالى حبل ممدودٌ من السَّماء إلى الأرضِ ، وَعِترَتي أهل بيتي .