إلَّا أن يُهْدَي فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحكُمُونَ . « 1 »
سبب إقصاء أمير المؤمنين عليه السلام هو الجهل بمنزلته الرفيعة
لقد كان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بحراً موّاجاً لا حدّ له من العلم والفهم والدراية . بَيدَ أنّ البشريّة جنت على نفسها وخسرت خسارة كبيرة لا تُعَوَّض بإقصائه عن المسرح السياسيّ ، ومنعه تولّى شؤون
هامش
( 1 ) الآية 35 ، من السورة 10 : يونس . وقد تحدّثنا عن مفاد هذه الآية بصورة وافية في الجزء الأوّل من هذا الكتاب ، الدرس الثاني عشر ، وأثبتنا أنّ الإمام في ضوء هذه الآية ينبغي أن يكون معصوماً من الذنوب ، ومهديّاً من الله بلا تدخّل بشريّ .
وانظر : « شرح نهج البلاغة » ج 9 ، ص 166 إلى 175 ، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة ، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم . ويرى البعض أنّ ابن أبي الحديد كان شيعيّاً ، ويذهب آخرون إلى أنّه كان من العامّة ، إذ إنّ المعتزلة هم من العامّة . وصرّح هو نفسه أنّه معتزليّ . وذكر البيتين الآيتين في عينيّته التي أنشدها من جملة علويّاته السبع :وَرَأيْتُ دِينَ الاعْتِزَالِ وَإنّني * أهْوَي لأجْلِكَ كُلَّ مَنْ يَتَشَيَّعُ
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأنّه لَا بُدَّ مِنْ * مَهْدِيِّكم وَلِيَوْمِهِ أتَوَقَّعُوقال محمّد أبو الفضل إبراهيم في مقدّمة « شرح نهج البلاغة » ج 1 ، ص 15 : ثمّ جنح إلى الاعتدال وأصبح كما يقول صاحب « نَسَمَة السَّحَر في ذكر من تشيّع وشعر » : معتزليّاً جاحظيّاً في أكثر شرحه للنهج بعد أن كان شيعيّاً غالياً انتهى . وذهب البعض إلى أنّ عبارته في ديباجة شرحه أحد الأدلّة على عامّيّته ؛ قال : الحمد للّه الذي تفرّد بالكمال . . . وقدّم المفضول على الأفضل لمصلحة اقتضاها التكليف . أقول : لا تدلّ هذه العبارة على عامّيّته ، لأنّ المراد من التقديم هو التقديم التكوينيّ والخارجيّ ، لا التشريعيّ المطابق للواقع . والدليل على كلامنا ، بل الدليل القطعيّ على بطلان دليلهم هو ما تفيده هذه العبارات التي نقلناها عنه هنا ، وتنصّ على أنّ تقديم غيره عليه هو تقديم المفضول على الفاضل . وهو قبيح ومنكر . فتقديم الحكّام الغاصبين المفضولين منكر . ونهى الله تعالى عن هذا المنكر بقوله : أفَمَنْ يَهْدِي إلَى الْحَقِّ . وعباراته الأخيرة واستشهاده بهذه الآية هو عين منطق الشيعة ، إذ لا يستفاد منها التولّي فحسب ، بل تستفاد البراءة أيضاً . وهذا هو ملاك التشيّع .
ونقل صاحب « غاية المرام » هذه الأحاديث كلّها وذيلها عن ابن أبي الحديد ، وذلك في كتابه المذكور ، ص 494 إلى 497 .