والمؤالف بأنّ علمه بلغ منزلة بهرت العقول ، فإنّ فصاحته وبلاغته قد أخضعت بلغاء الدنيا وفصحاءها . وفي الوقت الذي كان يقوم ويقعد فيه مع البائسين والمعدمين ، كان يمسح رأس اليتيم ، ويضع اللقمة في فم الكفيف ، ويحمل على كتفه أكياس الخبز والتمر ليوزّعها على الأرامل والأيتام والفقراء في الليالي المظلمة . ويجيب على أسئلة الصغير والكبير .
وثالثاً : إذا ذهبنا إلى أنّ كلمة عَلِيّ في قوله : وَعَلِيّ بَابُهَا هي من العلوّ بالمعنى الوصفيّ لا بالمعنى العَلَميّ ، فهو كلام ما أنزل الله به من سلطان . ولا يحتمل أحد هذا المعنى البعيد جدّاً عمّا يتبادر إلى الذهن ، فضلًا عن التفوّه به ، فلهذا قال : كلام شاذّ .
والعجيب هنا أنّه لو كان المعنى وصفيّاً ، إذ يفيد أنّ باب المدينة رفيع وعال ، فما ذا يصنعون بقوله : فَمَنْ أرَادَ المَدِينَةَ فَلْيَأتِ البَابَ ! إذ يفيد هذا الكلام أنّ مَن أراد المدينة ، فعليه أن يدخل من هذا الباب . فإذا كان المعنى وصفيّاً سيكون الكلام لغواً لا طائل تحته ، ولا يمكن نسبته إلى رسول الله .
والأعجب من هذا أنّ ابن حجر الذي روى في صواعقه : أبو بكر أساسها ، وعمر حيطانها ، وعثمان سقفها ، ذكر جملة فَمَنْ أرَادَ المَدِينَةَ بعد قوله : وَعَلِيّ بَابُهَا ، فكيف يخطر المعنى الوصفيّ في بال مفكّر من المفكّرين ؟
وجاء في المَثَل الفارسيّ : « الكذّاب مجبول على النسيان » ، فالذين أرادوا أن يحلّقوا كالخفافيش ويهبطوا من شمس سماء الولاية التي أضاءت مشارق الأرض ومغاربها ليقبعوا في كهوف الجهل والإنكار والجحود فراراً من هذه المنقبة قد نسوا أنّ عبارة فَمَنْ أرَادَ المَدِينَةَ فَلْيَأتِ البَابَ وردت في ذيل عبارة وَعَلِيّ بَابُهَا ، لذا قد مرّوا عليها عُمياً لا يبصرون .
معرفة الإمام — صفحة 116
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١١٦