له .
قال إسحاق : فقلت : يا أمير المؤمنين ! إنّ فينا من لا يعرف ما ذكر أمير المؤمنين ( المأمون ) في عليّ . وقد دعانا أمير المؤمنين للمناظرة !
فقال المأمون : يا إسحاق ! اختر ! إن شئتَ أن تسأل فقل ، وإن شئتَ سألتك !
قال إسحاق : فاغتنمتُها منه ، فقلت : بل أسألك يا أمير المؤمنين ! قال المأمون : سل !
قلتُ : من أين قال أمير المؤمنين : إنّ عليّ بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول الله ، وأحقّهم بالخلافة بعده ؟
قال المأمون : يا إسحاق ! خبرني عن الناس : بم يتفاضلون حتّى يقال : فلا أفضل من فلان ؟ ! قلت : بالأعمال الصالحة ! قال : صدقتَ ! قال :
فأخبرني عمّن فضّل صاحبه على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله ، ثمَّ إن المفضول عمل بعد وفاة رسول الله بأفضل من عمل الفاضل على عهد رسول الله ، أيُلحق به ؟ ! « 1 »
هامش
( 1 ) إنّ مثل إسحاق بن إبراهيم في عدم وعيه كمثل الأشخاص غير المطّلعين على السير والتواريخ ، ومثل السذّج السطحيّين في عصرنا الراهن إذ يقولون : إنّ أبا بكر ، وعمر قدّما خدمات جليلة باهرة للإسلام كمحاربة المرتدّين في عصر أبي بكر ، والفتوحات في عصر عمر ، تلك الفتوحات التي اتّسعت فيها رقعة الإسلام برّاً وبحراً . فقد اعتبر إسحاق أعمال الشيخين بعد وفاة رسول الله أعمالًا جليلة مثيرة ، وجعلها معيار الفضيلة . أمّا المأمون فقد تصدّى لهذا الضرب من الاستدلال بحصر معيار الفضيلة في التضحية والإيثار إبّان عصر رسول الله ، وقال : إنّ المعيار الوحيد هو النشاطات والممارسات التي تحقّقت في عصر النبيّ . وقد قام أمير المؤمنين عليه السلام بنشاطات هامّة وقطع أشواطاً بعيدة على طريق الإسلام أيّام رسول الله صلّى الله عليه وآله بحيث إنّ أعمال أبي بكر وعمر بل وأعمال العشرة المبشّرة مجتمعة لا توزن بعمله . لأنّه لو كان قد تسلم مقاليد الأمور بعد رسول الله مباشرة ، فأيّ عمل لا ينجزه مهما كبر وعظم ؟ هذا مع أنّ خدماته وسوابقه في عصر رسول الله كانت أسمى وأكثر تألّقاً . يضاف إلى ذلك أنّنا نجد أشخاصاً في عصر ما بعد رسول الله كانت أعمالهم المختلفة من حجّ ، وجهاد ، وصلاة ، وصوم ، وغيرها تملأ العين أكثر فأكثر ، بينما نتّفق نحن ومخالفونا على أنّهم ليسوا أفضل من الأشخاص الذين عاشوا في عصر رسول الله . وعلى هذا ينحصر ميزان الفضيلة بالخلوص والإخلاص في العمل والإيثار والتضحية في الشدّة والعسر ، والتقدّم والثبات في العمل والصمود عند فرار الناس وبقاء رسول الله وحده . وكان أمير المؤمنين في هذه المواصفات والأعمال كلّها الشخص المتميّز الذي يمثّل الدرجة الأولى في الإسلام .