معه من مكّة يشهدون ذلك ؛ وبعد أن ألقي خطبته البليغة ، أرى الناس كلَّهم عليّاً ، وهو يقول : مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ . ولا يخفى فإنّ ولاية الامّة ليست من الأمور التي تكتم وتستتر ؛ ويرتاب أحد في لزومها وضرورتها .
ونحن نرى من وحي العقل والفطرة أنّ كلّ صاحب مسؤوليّة إذا أراد أن يغيب ، فإنّه لا يترك أموره وشؤونه عبثاً ، بل يفوّضها إلى من كان أميناً كفوءاً ليضطلع بها نيابة عنه . والعالِم الذي يدنو أجله يخوّل معلّماً أميناً للقيام بتربية طلّابه . والطبيب الذي يفارق الدنيا يوصي طبيباً أميناً بعيادته . والتاجر ، والكاسب ، والزارع ، وحتّى الحمّاميّ ، فإنّهم إذا شارفوا الموت أو غابوا لفترة قصيرة ، لسفر مثلًا ، ينيطون شؤونهم بشخص آخر للقيام بها . وحتّى بائع البنجر الذي يضع بنجره المطبوخ في طست ويقف في رأس الزقاق منادياً بأعلى صوته : بَنْجَر بَنْجَر ! فإنّه إذا أراد الذهاب لقضاء حاجته أو للصلاة ، يكلّف كاسباً قريباً منه أن يحرس طسته وميزانه وبنجره وكلّ ما يتعلّق به ، وهذا كلّه لا يساوي في القيمة درهماً زهيداً . وإن لم يفعل هؤلاء ما من شأنه القيام بأمورهم ، فإنّهم يُلَامُونَ ويذمّون . ويقول الناس : ما خطب الحمّاميّ ؟ هل أصابه مسّ من جنون حتّى يترك حمّامه مفتوحاً دون أن يكلّف أحداً بحراسته ؟ وما بال التاجر ؟ هل مُني بخطب أو عاهة إذ يترك محلّه ويسافر بدون أن يخوّل أحداً حراسته ؟
وهذا الأمر من البداهة بحيث إنّه لا يحتاج إلى استدلال وبرهان ، وهو كما يقول أهل الأدب : مِنَ الْقَضَايَا التي قِيَاسَاتُهَا مَعَهَا . والوصيّة في مثل هذه الأمور من المسلّمات المقطوع بها .
فإذا علمنا هذا كلّه ، فكيف يجيز أحد لنفسه أن يخال بأنّ ديناً كالإسلام لا يحتاج إلى وليّ أمر يقوم بشؤونه ، وهو الدين العالميّ الذي جاء لجميع الناس حتّى يوم القيامة ، وفيه كلّ ما يحتاج إليه البشر ، من أحكام
معرفة الإمام — صفحة 124
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٢٤