وعندئذٍ لا يتعجّب أحد كيف أصبح أمثال أبي هُريرة ، وأبي الدرداء ، وكعب الأحبار ، وسَمُرَة بن جُنْدُب وغيرهم من الذين كانوا في عداد الصحابة فترة من عمرهم ، بطانة لمعاوية ، ومن الذين يسيل لعابهم على مائدته الملوّنة مقتاتين من فضلاتها . وعند ذاك يحلو لهم أن يختلقوا آلاف الأحاديث في فضيلة الشيخين ، وبني اميّة ، وعثمان ، ومعاوية . ولا يتورّعوا عن اختلاق الطعن والقدح في أمير المؤمنين عليه السلام والتحدّث إلى الناس من على المنبر نقلًا عن لسان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . فالتأريخ يعيد نفسه ولا يمثّل إلّا تكراراً للحوادث الواقعة . ولو أردنا أن نتمثّل بلاط معاوية ، فلننظر إلى مجلسي الشيوخ والنوّاب وأعضائهما . فالصورة واحدة ، وما نراه اليوم مرآة تعكس ذلك الوضع تماماً .
ولقد أرسل معاوية إلى سَمُرَة بن جُنْدُب ووعده ببذل مائة ألف درهم له ليروي أنّ قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَاد . « 1 » نزل في ابن ملجم أشقى رجل في قبيلة مراد . وقوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ على مَا في قَلْبِهِ وَهُوَ ألَدُّ الْخِصَامِ * وَإذَا تَوَلَّى سَعَى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ . « 2 » نزل في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، فلم يقبل . فبذل له مائتي ألف درهم ، فلم يقبل . فبذل له أربعمائة ألف درهم ، فقبل . « 3 »
هامش
( 1 ) - الآية 207 ، من السورة 2 : البقرة .
( 2 ) - الآيات 204 إلي 206 ، من السورة 2 : البقرة .
( 3 ) - « الغدير » ج 2 ، ص 101 ، عن « تاريخ الطبريّ » ج 5 ، ص 229 ، و « الكامل » لابن الأثير ، ج 3 ، ص 117 ؛ و « شرح ابن أبي الحديد » ج 2 ، ص 24 .