وكان العرب في الجاهليّة يستعملونها على نحو ما يستعمله أهل الإسلام . وكان يدور حجّهم في الأزمنة الأربعة ، ثمّ أرادوا أن يحجّوا في وقت إدراك سلعهم من الادْم والجلود والثمار وغير ذلك ، وأن يثبت ذلك على حالة واحدة وفي أطيب الأزمنة وأخصبها .
فتعلّموا الكبسَ من اليهود المجاورين لهم وذلك قبل الهجرة بقريب من مائتي سنة فأخذوا يعملون بها ما يشاكل فعل اليهود من إلحاق فضل ما بين سنتهم وسنة الشمس شهراً بشهورها إذا تمّ . ويتولّى القَلَامِسُ « 1 » بعد ذلك أن يقوموا بعد انقضاء الحجّ ، ويخطبون في الموسم ، وينسئوا الشهر ، ويسمّون التالي له باسمه .
فيتّفق العرب على ذلك ويقبلون قوله ويسمّون هذا من فعلهم : النسيء ، لأنّهم كانوا ينسأون أوّل السنة في كلّ سنتين أو ثلاث شهراً على حسب ما يستحقّه التقدّم . قال قائلهم :
هامش
( 1 ) - القَلَامِس جمع القَلَمَّس ، وهو البحر الزاخر . والقلمّس لقب لأحد نَسَأة الشهور على العرب في الجاهليّة ، وهو من بني كنانة . وأوّل النَّسَأة هو حذيفة بن عبد فقيم الكنانيّ . وكانوا يتوارثون منصبه واحداً بعد الآخر . وآخرهم ، وهو سابعهم : أبو ثمامة جُنادة بن عوف ( أبو ثمامة جنادة بن عوف بن اميّة بن قَلَع بن عبّاد بن قَلَع بن حذيفة ) ولو اعتبرنا متوسّط السنّ لكلّ جيل ثلاثين سنة ، فالمجموع هو مائتان وعشر سنوات . ولو أنقصنا من هذه المدّة سنوات الهجرة العشر ، فإنّ أوّلهم كان يعيش قبل الهجرة بمائتي عام . وقد نصّ المقريزيّ على هذا الزمان في خططه ، ج 2 ، ص 54 .