الظَّالِمِينَ ، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَآ إلَيْهِ وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذآ إفْكٌ قَدِيمٌ ، وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيّا لِّيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ .
يتبيّن لنا عند ملاحظة هاتين الطائفتين من الآيات ومقارنتهما أنّهما :
أوّلًا : ذكرنا القرآن أو البيّنة الإلهيّة التي ينكرها المشركون على سبيل الاستفهام الإنكاريّ .
ثانياً : بيّنتا التوراة بوصفها كتاب هداية ورحمة للناس ، وقد نزلت قبل القرآن ممهّدة الطريق لكتاب الله ، وهو القرآن المجيد ، والقرآن مصدّق لها أيضاً ، مضافاً إلى ذلك فأنّ القرآن ليس أوّل كتاب يرفضه المشركون ، بل كانت التوراة قبله على هذه الشاكلة أيضاً ، وآيات القرآن والمواضيع التي يحتويها امتداد لمواضيع التوراة في الأخلاق والأحكام والمعارف ، ومصدّقة لها ، إذَن لا يبدو هناك أيّ مبرّر لاستنكاف أولئك ، كما جاء في القرآن قوله تعالى في الآية التاسعة التي تسبق الآيات المذكورة : قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ .
المراد من الشاهد في قوله تعالى : وشَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى مِثلِهِ
ثالثاً : كما جاء في الآية التي هي مدار بحثنا : وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ، فأنّ المراد هنا هو وصيّ رسول الله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام الذي يمثّل سند النبوّة والشاهد على رسالة رسول الله ، وكذلك في بني إسرائيل ، فأنّ وصيّ موسى هو يوشع بن نون الذي كان سنداً لنبوّة موسى وشاهداً على رسالته ، وهو الذي آمن به ، ولذلك يقول جلّ من قائل : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِن بَنِي إسْرَاءِيلَ على مِثْلِهِ . « 1 »
هامش
( 1 ) - عندما طالع أحد أخلّائنا وإخواننا في الإيمان ، وهو من مفاخر علماء طهران ، مخطوطة هذا الكتاب ، كتب في الهامش قائلًا : « أنّ الاحتمال المطروح في أنّ قوله : وشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إسْرَاءِيل على مِثْلِهِ يخصّ إيمان يوشع بن نون بالتوراة بعيد للغاية ، ويبعث على تفكيك مفردات الآية ، ولا يحضرني أنّ أحد المفسّرين ذكر هذه الاحتمال ، كما لم تُؤثَر رواية في هذا الباب أيضاً . نعم ، احتمل بعض المفسّرين أنّ المراد بالشاهد هنا هو موسى بن عمران نفسه ، وشهادته على مثل القرآن ، أعني التوراة ، من حيث أنّ التوراة اشتملت على وصف للنبيّ الأكرم وبشّرت به ، وفي هذه الحالة ، يستقيم الترابط بين الآيات ونظمها » . يقول مؤلّف الكتاب : لا يتمّ هذا الكلام ، وذلك ، أوّلًا : أنّ استبعاد دلالة الآية وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِن بَنِي إسْرَاءِيلَ على مِثْلِهِ على إيمان يوشع بن نون بالتوراة ، والغموض الذي يكتنف الترابط بين مفردات الآية يصحّان إذا كان المراد من التوراة هو الكتاب السماويّ النازل على موسى فحسب ، لا من حيث اشتمالها على وصف للنبيّ الأكرم ، والتبشير به ، بَيدَ أنّه إذا كان المراد من التوراة في هذه الآية ، كتاب بهذه المواصفات ، فالمعنى واضح تماماً والترابط متحقّق . وما هو الفرق بين أن نعتبر الشاهد من بني إسرائيل في هذه الآية موسى النبيّ أو وصيّة يوشع بن نون ؟ لأنّنا يجب أن نجعل كلمة مثله في كلا الحالتين : التوراة ، ولمّا كانت التوراة مشتملة على التصديق بالرسول الأكرم ، فهذه الآية تشكّل دليلًا وحجّة لرسول الله على اليهود الذين لم يقرّوا بدعوته .
ثانياً : جاء في الرواية المأثورة ، التي نقلها السيوطيّ ، قوله : فآمن هذا بكتابه ونبيّه وكفرتم يا أهل مكّة . فواضح أنّ الظاهر من كلمة نبيّه هو النبيّ الذي كان في ذلك الزمان ، وهو موسى ، لا نبيّنا الذي أقام هذه الآية من جانبه إتماماً للحجّة على اليهود ؛ وتريد الآية أن تقول : هو آمن بنبيّه ، فَلِمَ لا تؤمنون بنبيّكم ؟ ! في ضوء ذلك ، لا يمكن أن يكون المراد من الشاهد غير يوشع بن نون . وعلى الرغم من عدم وجود رواية عندنا تؤيّد ذلك ، فليس عندنا رواية تخالفه أيضاً ؛ وما لم يستند قول المفسّرين على حجّة قاطعة ورواية مأثورة عن المعصوم ، فهو يعتبر رأياً شخصيّاً . ولا إشكال في دحضه على أساس الظواهر والقرائن المستفادة من تطبيق الآيات ، وتحليل المعنى ، والقصد الذي يستنبط من الآيات .