أمير المؤمنين ، وهو نفسه لم يصرّح لنا بشيء عن ذلك ، بَيدَ أنّ كلّ ما نعلمه هو أنّه قال لأنس بعد الصلاة : أوّل من يدخل هو سيّد المسلمين وأمير المؤمنين وخاتم الوصيّين . ولمّا دخل أمير المؤمنين عليه السلام قام بذلك الوضع العجيب كشخص وجد ضالّته وظفر بمعشوقة ومحبوبه فاعتنقه ومسح وجهه بوجهه ، ومسح عرقه بوجهه بحيث أنّ أمير المؤمنين نفسه تعجّب ممّا صنعه رسول الله من عمل لم يعهده من قبل ، فقال متحيّراً : يا رسول الله ! لقد رأيتك صنعت شيئاً ما صنعت لي من قبل ، فأشار صلى الله عليه وآله إلى مقامات الإمام . وقال : أنت تؤدّي عنّي وتنجز عداتي ، وتُسمِعُ الناس صوت التوحيد ونداء الإسلام الصادر عنّي ، وأنت الذي إذا نشبت نار الفتن والاضطرابات بعدي ، تشقّ للناس طريقهم من بين لجج الهوى والهوس العميقة لتكون كموج النور المتألّق والحقيقة الساطعة في دياجير الجهل وغياهب الشهوات ، فتوضّح لهم الحقيقة ، وكأنّ رسول الله كان يرى أنّ ما يحاك بعده من دسائس سيؤدّي بالإسلام وينسفه من الأساس ، وستعود الصنميّة الجاهليّة إلى الناس بشكل آخر . ويتّضح صدق كلامنا جيّداً من خلال سياسة الخلفاء الذين جاءوا بعد النبيّ صلى الله عليه وآله والأسلوب الذي انتهجه معاوية وولده يزيد . ويتبيّن لنا من خطب « نهج البلاغة » وخطبة سيّد الشهداء عليه السلام بمِنَى أواخر عصر معاوية . وكذلك بقيّة خطبه عليه السلام وكلماته ، أنّ الخلفاء أفرغوا الإسلام من محتواه ، وتركوه بلا رمق ولا روح . « 1 »
هامش
( 1 ) - وقد سار سيّد الشهداء إلى مكّة للحجّ قبل وفاة معاوية بسنة ، يصحبه عبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس وجمع من بني هاشم من النساء والرجال ، وجماعة من مواليهم وشيعتهم ، فخطب عليه السلام في مني خطبة مفصّلة قال فيها : أمَّا بَعْدُ فَإنَّ هَذَا الطَّاغِيَةَ قَدْ فَعَلَ بِنَا وَبِشِيعَتِنَا مَا قَدْ رَأيْتُمْ وَعَلِمْتُمْ وَشَهِدْتُمْ ، فَإِنِّي ارِيدُ أنْ أسْألَكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَإنْ