وذلك لأنّه قد ذكر في تفسير قوله تعالى (
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
) « 1 » حيث الخطاب موجّه لإبراهيم عليه السلام : انّ وظيفة الإمام هداية أفراد البشر من باطن وملكوت أعمالهم إلى الله عزّ وجل الذي أرشدهم وجعلهم في درجات القرب وفي دركات البُعد كلّا حسب منزلته ، وسوف يجعلهم يُقيمون هناك ويُسكنهم في ما تقتضي أعمالهم وأفعالهم ، وسيجذبهم إلى ذلك المنزل . فتكون هداية الله الباري تعالى شأنُه ذاتيّة ، وهداية الإمام بالتّبع وبالعرض .
امّا إذا كان مرجع الضمير إلى ( البراءة ) ، فانّ معناه انّنا قد جعلنا حقيقة التوحيد ، أي الولاية ثابتة وباقية إلى الأبد في ذريّة إبراهيم لعلّهم يرجعون إلى الحق والتوحيد . فيُستفاد أولًا انّ هذه الحقيقة ستبقى ثابتة إلى الأبد في ذريّة إبراهيم ، وأنّ ذريّته - إجمالًا - يمتلكون مثل هذا المنصب والمقام ، وانّ الإمامة لن تزال أبداً وفي أي زمن عن ذريّة إبراهيم .
وثانياً : انّ كلمة التوحيد والولاية هذه في خصوص ذريّةٍ تدعو إلى الحق ، وبقيّة الذريّة تُدعى إلى الحق ، فيكون المراد من ( في عَقِبِهِ ) الذريّة باعتبار الإمامة والقيادة ، والضمير في ( يَرْجِعُونَ ) عائداً إلى الذريّة باعتبار الاهتداء والانقياد .
ومع ذلك فانّ لكلّ فئة سيرٌ خاصّ وحركة خاصّة بها ، فالفئة الأولى لها الإمامة والثانية الائتمام .
ويظهر من هذا البيان : أولًا : استجابة دعاء إبراهيم في دعائه إلى الله :
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
« 2 » .
هامش
( 1 ) - الآية 124 ، من السورة 2 : البقرة .
( 2 ) - الآية 128 ، من السورة 2 : البقرة .