تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الإمام — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
مصلحةٍ خيالية ، بل إنهم اجتازوا جميع هذه المراحل ، فصارت إرادتهم إرادة الله ، وصار فعلهم يصدر عن ضمير طاهر بلا مواربة ولا خيانة وبلا شائبة من التفكير بالمصلحة أو ملاحظة للأجر والثواب أو تفكيرٍ بعاقبة . هؤلاء هم الذين جزاؤهم نفس فعلهم ، فليسوا في صدد جزاء خارج عن نفس فعلهم وحقيقته . هذا الفعل هو فعل الله الذي يطلع بإرادة الله من مرءاة وجودهم وصُقع نفوسهم ، ويظهر من مصدر تجلّي وجودهم ، ولذلك يمكن القول أنّ نفس فعلهم هو وحي الله . انّ الانسان ما لم تبصر عينه جمال ربّه فينسى تدريجاً مراتب وجوده ويصبح موجوداً بالله تبارك وتعالى ، فانّه سيرى أنّ جميع أفعاله صادرة عن نفسه ، وسيقوم بها حتماً من أجل غايةٍ وهدف . لكنّه إذا تقدّم بقدم صدق في مرحلة العبوديّة فانّه سوف يتأثّر تدريجياً بمشاهدة قدرة الله وعلمه المطلق وبانكشاف مراحل التوحيد في وجوده ، فيصبح لا يدرك وجوداً لنفسه بعدُ ليقوم بعملٍ ما لحفظه أو لاستجلاب منفعةٍ له ودفع الضرر عنه ، وسيرى نفسه خاضغاً مستسلماً بيد القدرة الالهيّة كالعجينة في القبضة القوية ، وسيرى وجوده سراباً اثر بزوغ شمس الحقيقة ومشاهدة الجمال المطلق والعلم والحياة المطلقة ، فلا يمكنه أن يعمل لنفسه ولمصلحته ، وسيكون كلّ ما يصدر عنه في هذه الحال هو عمل الحق فقط . كما يقول سُبحانه في الحديث القدسيّ الذي رواه الفريقان : لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلى بِالنَّوَافِلِ حتى احِبَّهُ ، فَإذَا أحَبَبتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ بِهِ وَلِسَانَهُ الذي يَنْطِقُ بِهِ وَيَدَهُ التي يَبْطِشُ بها « 1 » .
هامش
( 1 ) - وردت مصادر هذا الحديث في كتاب ( معادشناسى ) / معرفة المعاد ، المجلد الثاني ، المجلس التاسع .