مصافّ البهائم ، لكن خمر الأخرة جذباتٌ الهيّة تظهر اثر تجليّات الصفات والأسماء في القلب ، فتحيّر العقول وتبهتها بحيث يسقط العقل المفكّر في العواقب والمصالح عند مشاهدة تلك الأسماء الكليّة والصفات الالهيّة غير المحدودة وينسى كليّاً مراتب الوجود .
ولأنّها تمتلك هذه الخاصيّة فقد عُبّر عنها بالخمر ، لكن هذه الخمر ترفع الانسان من مرتبة العقل وتهديه إلى مرتبة أعلى وهي الشهود والقلب .
وعلى ذلك فانّ انهار الخمر هي ظهور أصناف وأنواع محبّة صفات وذات الله التي جعلها الله سبحانه للشاربين ، وهم الكاملين الواصلين إلى درجة الشهود ، والذين صار لديهم القابليّة لمشاهدة حسن تجليّات الصفات وشهود جمال الذات ، وصاروا مولّهين بالجمال المطلق للحضرة الربوبيّة لا إدراك لهم بسببه ، ووصلوا إلى مقام الروح واستغرقوا في الأنوار الالهيّة ، وستوجب لهم اللذة والبهجة والسرور والحبور .
أنهار من عسل مصفّى : والنوع الرابع من هذه الأنهار هي أنهار من عسل مصفّى لا يُرى فيها شيء من الشمع والخبث والمواد القذرة . ولأنّ العسل له حلاوة زائدة ، فانّ تلك الحلاوة التي هي من واردات عالم القدس والبوارق النورانية ، واللذات التي توجد في حالات مختلفة للمتوسّطين في طريق الله ، وتعيدهم إلى الله بالذوق والوجد والتوجّه ، وتوجّههم إلى كمالاتهم ، فانّها تظهر هناك في هيئة أنهار من عسل مصفّى خالٍ من الشوائب والأكدار وتدخّلات النفس وتسويلاتها ، وهذا بالطبع مختصّ بالأفراد الذين هم في مقام ذوق تلك الجذبات ، والذين لم يصلوا بعدُ إلى مرحلة السكر اثر مشاهدة التجليات .
وبناءً على ما سبق فانّ أنهار اللبن هي العلوم لدى المبتدئين
معرفة الإمام — صفحة 206
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٢٠٦