والنبيّ ، فانّ ظهور هذه العلوم التي هي حياة القلوب سيكون هناك في هيئة أنهار ماء . وسيكون لجميع الذين عملوا الصالحات - ومن جملتها الإقرار بإمام زمانهم - امتلاك هذه الأنهار ، بل يمكن اعتبار مقياس فصل الأعمال الصالحة عن غير الصالحة هو مصادقة الإمام عليها أو عدمها ، فكلّ فعل أمَرَ به الإمام صالحٌ ، وكلّ ما نهى عنه سيكون غير صالح ، وذلك لأنّ نظر الإمام يمثّل النظرة الواقعيّة والحقيقية ، ولذلك فانّ تخطّى كلام الإمام يمثّل انحرافاً عن متن الواقع وحقيقة نفس الأمر .
امّا الذين لم يوكلوا قلوبهم للإمام ، ولم يستفيدوا من ذلك المنبع الفيّاض ، فانّ قلوبهم ستبقى يابسة لا طراوة لها ولا محبّة ولا صفاء ولا معرفة ، كالقربة اليابسة العتيقة البالية ، قد فقدت مرونتها وسعتها ، لذا فانّ ماء أولئكم هو الحرمان والحسرة والندم الذي سيصبّ في أفواههم على هيئة الفلز المصهور .
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ
« 1 » .
الأنهار الأربعة الجارية في الجنّة : أنهار الماء ، اللبن ، الخمر ، والعسل المصفّي
أنهار الجنّة الأربعة :
ذكر الله سبحانه في هذه الآية المباركة أربعة أنهار ، أوّلها أنهار الماء الزلال غير الأسن ، لأن الماء في عالم الطبيعة هو حياة الموجودات :
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
« 2 » .
هامش
( 1 ) - الآية 15 ، من السورة 47 : محمّد .
( 2 ) - الآية 30 ، من السورة 21 : الأنبياء .