كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ؛ أي أنّ هذا الجزاء والعذاب الذي تلقونه هو جزاء على عملكم ، بل هو عملكم بذاته ؛ وعملكم معكم لا ينفكّ عنكم . وكما أنّه لا يمكن فصل الإنسان عن نفسه ، فكذلك لا يمكن فصله عن عمله الذي هو أثره ووليده ومعلوله .
ومن هنا ، فالآية تفيد أمر البقاء بالله والسيطرة على ملكوت العمل ، وتبيّن بعد ذلك أمر الخلود .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأكُلُونَ كَمَا تَأكُلُ الأنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوى لَّهُمْ . « 1 »
وقد عدّت هذه الآية الاستقرار في الموضع الجهنّميّ متفرّعاً على التمتّع والأكل المقترن بالغفلة كالحيوانات . وكما أنّ البهيمة لا تدرك أي شيء عن التوحيد والربوبيّة والمعرفة ، فتكون البهيميّة من لوازم نفسها التي لا يمكن فصلها عنها ؛ فإنّ الكفّار المشغولين بالمتع التي يسوقهم إليها الهوى والهوس ، وبالأكل بنهم وشراهة كالأنعام ، ستلازم هذه الصفة أنفسهم فيخلّدون فيها . ولذلك فهم مخلّدون في نار جهنّم التي هي طلوع وتجلّي هذا العمل البهيميّ ، وثاوون في النار التي هي دار إقامتهم الأبديّة .
ويتّضح ممّا مرّ ، أنّ الآيات القرآنيّة تدلّ على الخلود ، بل وتصرّح به ، وأنّ ما توهّمه البعض من أنّ الخلود الوارد في الآيات ليس بمعنى الأبديّة والبقاء الدائميّ ، ما هو إلّا توهّم خاطئ يفتقر إلى الدليل .
في تفسير آية : لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا
أمّا الآيات الواردة في سورة النبأ ، فليس فيها ما يدلّ على نفي الخلود ، إذ تقول :
إنّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً ، لِّلطَّاغِينَ مَأباً ، لَّابِثِينَ فِيهَآ أحْقَاباً ،
هامش
( 1 ) - الآية 12 ، من السورة 47 : محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم .