تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وتعدّ مسألة أمْرٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ من المسائل المهمّة ، ومن أصول الشيعة ، والحقّ أنّ بيان هذا الأمر في ذلك الزمان من قِبل الأئمّة الأطهار عليهم السلام له حكم المعجزة ، لأنّه يمكن استخلاص جميع الأسس الإلهيّة الحقّة منها ، ولأنّه لا يمكن لأحد أن ينشئ نظيرها إلّا أن يكون متمكّناً من منهل المعارف ، وأن يكون قد لمس هذا الأمر وعاينه بعين بصيرته . ولا يختصّ هذا الأمر بأفعال العباد ، بل إنّ الجبر والتفويض منتفيان في عالم الوجود ، وإنّ جميع الأمور خاضعة لسنّة واحدة صحيحة هي : أمْرٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ . يقول الجبريّون : إنّ إرادة الله الحتميّة قد تعلّقت بأفعال العباد كتعلّقها بسائر الأمور ، وإنّ الإنسان مُجبر في أعماله غير مختار ، وإنّ جميع الأمور مخلوقة للّه تعالى ، كسائر أفعال الأسباب التكوينيّة . أمّا أصحاب مذهب التفويض - ويُدعون بالمفوّضة - فينفون أي تعلّق لإرادة الله تعالى بأفعال العباد ، ويعتبرون جميع الأفعال مخلوقة للإنسان على أساس إثبات الاختيار . ونشاهد في هذه الروايات أنّ أئمّة الدين قد أبطلوا كلا المذهبينِ وأنكروهما أيّما إنكار . أمّا مذهب الجبر ، فلأنّ الله تعالى عادل ، فحاشاه أن يجبر عبده على فعل شيء ثمّ يؤاخذه عليه ويعذّبه على فعله . ونحن نرى وجداناً أنّ الإنسان مختار ، وأنّ هذا الاختيار مركوز في أساس وجوده ، وأنّ أحداً لا يتدخّل في اختياره أو يُجبره على أمرٍ ما ، وأنّ نفي الاختيار ممّا يخالف الوجدان والشهود . وأمّا مذهب التفويض ، فلأنّ قدرة الحضرة الأحديّة وسلطانه ومشيئته لا ينقصها شيء ولا يحدّ منها شيء ، وأنّ الموجودات - بلا استثناء -
معرفة المعاد — صفحة 158 | السيد محمد حسين الطهراني / عبد الرحيم مبارك