قال : فيسمع آخرُهم كما يسمع أوّلهم . قال : فتنكسر أصواتُهم عند ذلك ، وتخشع أبصارهم ، وتضطرب فرائصهم ، وتفزع قلوبهم ، ويرفعون رؤوسهم إلى ناحية الصوت مهطعين إلى الداعي .
قال : فعند ذلك يقول الكافر : هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ . « 1 »
قال : فيُشرف الجبّارُ عَزّ وجلّ الحَكَمُ العدل عليهم فيقول : أنا الله لا إله إلّا أنا الحَكَمُ العدلُ الذي لا يَجور ؛ اليوم أحكمُ بَينكم بعَدْلي وقسطي ، لا يُظلَم اليومَ عندي أحدٌ ؛ اليوم آخذ للضعيفِ من القويّ حقَّه ، ولصاحبِ المظلَمةِ بالمظلمةِ بالقصاص من الحسنات والسيّئات ، « 2 » وأثيب على الهبات ، ولا يجوز هذه العقبة اليوم عندي ظالم ولا أحد عنده مظلَمة ، إلّا مظلمة يهبها صاحبها وأثيبه عليها وآخذ له بها عند الحساب ، فتلازموا أيّها الخلائق واطلبوا مظالمكم عند مَن ظلمكم بها في الدنيا ، وأنا شاهدٌ لكم عليهم وكفى بي شهيداً .
قال : فيتعارفون ويتلازمون ، فلا يبقى أحدٌ له عند أحد مظلمة أو حقّ إلّا لزمه بها . قال : فيمكثون ما شاء الله ، فيشتدّ حالُهم ويكثر عرقُهم ويشتدّ غمُّهم وترتفع أصواتُهم بضجيج شديد ، فيتمنّون المخلص منه بترك مظالمهم لأهلها .
قال : ويطّلع الله عزّ وجلّ على جهدهم ، فينادي منادٍ من عند الله تبارك وتعالى - يسمع آخرهم كما يسمع أوّلهم - :
يا معشر الخلائق ! أنصتوا لداعي الله تبارك وتعالى واسمعوا . إنّ الله تبارك وتعالى يقول ] لكم [ : أنا الوهّاب ، إن أجبتُم أن تواهبوا فتواهبوا ، وإن
هامش
( 1 ) - الآية 8 ، من السورة 54 : القمر .
( 2 ) - أي أعطي حسنات الظالم للمظلوم ، وسيّئات المظلوم للظالم .