وثانيها : أن يكون المراد به أنّه يحاسب أهل الموقف في أوقات يسيرة ، لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره ، كما لا يشغله شأن عن شأن ، وورد في الخبر أنّه تعالى يحاسب جميع الخلائق في مقدار لمح البصر ، وروى بقدر حلب شاة ، وهذا ممّا يدلّ على أنّه ليس بجسم وأنّه لا يحتاج في فعل الكلام إلى آلة ، لأنّه لو كان كذلك لما جاز أن يخاطب اثنين في وقت واحد بمخاطبتين مختلفتين ، ولكان يشغله خطاب بعض الخلق عن خطاب غيره ، ولكانت مدّة محاسبته للخلق على أعمالهم طويلة .
وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال : معناه أنّه يحاسب الخلق دفعةً كما يرزقهم دفعة .
وثالثها : أنّ معناه أنّه تعالى سريع القبول لدعاء هؤلاء والإجابة لهم من غير احتباس فيه وبحث عن المقدار الذي يستحقّه كلّ داعٍ ، كما يحتبس المخلوقون للإحصاء والاحتساب . ويقرب منه ما روي عن ابن عبّاس أنّه قال : يريد أنّه لا حساب على هؤلاء ، إنّما يعطَون كتبهم بأيمانهم فيقال لهم هذه سيّئاتكم قد تجاوزت بها عنكم ، وهذه حسناتكم قد ضعّفتها لكم . « 1 »
ويروي المرحوم الصدوق في كتابه « الأمالي » عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن عليّ بن الحكم ، عن داود بن النعمان ، عن إسحاق ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : إذا كان يوم القيامة وقف عبدان مؤمنان للحساب كلاهما من أهل الجنّة : فقير في الدنيا ، وغنيّ في الدنيا ، فيقول الفقير : يا ربِّ على ما أوقف ؟ فو عزّتك إنّك لتعلم أنّك لم تولّني ولايةً فأعدل فيها أو أجور ، ولم ترزقني مالًا فأؤدّي منه حقّاً أو أمنع ، ولا كان رزقي يأتيني منها إلّا كفافاً على ما علمتَ وقدّرتَ لي .
هامش
( 1 ) - « مجمع البيان » ج 1 ، ص 298 ، طبعة صيدا .