وقد تتعدّد الصور والقوالب لحقيقة واحدة . وإنّما وُضعت الألفاظ للحقائق والأرواح ، ولوجودهما في القوالب تستعمل الألفاظ فيهما على الحقيقة لاتّحاد ما بينهما . مثلًا لفظ القلم إنّما وضع لآلة نقش الصور في الألواح من دون أن يعتبر فيها كونها من قصب أو حديد أو غير ذلك . بل ولا أن يكون جسماً ولا كون النقش محسوساً أو معقولًا ، ولا كون اللوح من قرطاس أو خشب ، بل مجرّد كونه منقوشاً عليه . وهذا حقيقة اللوح وحدّه وروحه فإن كان في الوجود شيء يستطر بواسطة نقش العلوم في ألواح القلوب ، فأخلق به أن يكون هو القلم فإنّ الله تعالى قال : عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ؛ « 1 » بل هو القلم الحقيقيّ حيث وجد فيه روح القلم وحقيقته وحدّه ، من دون أن يكون معه ما هو خارج عنه . وكذلك الميزان مثلًا فإنّه موضوع لمعيار تُعرف به المقادير ، وهذا معنى واحد هو حقيقته وروحه ، وله قوالب مختلفة وصور شتّى بعضها جسمانيّ وبعضها روحانيّ ، كما يُوزن به الأجرام والأثقال مثل ذي الكفّتين والقبّان وما يجري مجراهما ، وما يوزن به المواقيت والارتفاعات كالإسطرلاب ، وما يوزن به الدوائر والقسي كالفرجار ، وما يوزن به الأعمدة كالشاقول ، وما يوزن به الخطوط كالمسطر ، وما يوزن به الشِّعر كالعروض ، وما يوزن به الفلسفة كالمنطق ، وما يوزن به بعض المدركات كالحسّ والخيال ، وما يوزن به العلوم والأعمال ، كما يوضع ليوم القيامة ، وما يوزن به الكلّ كالعقل الكامل ، إلى غير ذلك من الموازين . « 2 »
هامش
( 1 ) - الآيتان 4 و 5 ، من السورة 96 : العلق .
( 2 ) - « تفسير الصافي » المقدّمة الرابعة ، من المقدّمات العشر التي أوردها المرحوم الفيض كمقدّمة لتفسيره ، وتضمّ أنفس المطالب ، ج 1 ، ص 19 ، بالقطع الوزيريّ .