وأمّا أصحاب الشمال فهم الذين غالباً ما اتّبعوا سبيل المعاصي
والجرائم في دنياهم ، إلّا أنّهم كانوا يعملون أعمالًا حسنة أحياناً ، وربّما كانوا من أهل الخير ، غير أنّ حبّهم للّه تعالى لم يبلغ درجة كبيرة ، فاستحقّوا العقاب على أعمالهم السيّئة ، وصار عليهم أن يصْلوا النار - ولو إلى مدّة - جزاءً وفاقاً .
وأمّا من أنكروا الحقّ وجحدوه من الأساس ، فلن يُؤاخَذوا على أعمالهم ، بل على حقيقتهم .
موارد حبط الأعمال وانتفاء صحيفة الأعمال
ولدينا في الروايات أنّ الحبط ليس سارياً بشكل دائم ، فما الذي يعنيه ذلك يا ترى ؟ إنّه يعني أنّ كلّ عمل من الأعمال الذميمة لا يمحو الأثر الحسن للأعمال الصالحة . فلو صلّينا اليوم صلاةً - مثلًا - وحصلنا على ثوابٍ ما ، ثمّ أذنبنا بعد ذلك ذنباً ، فإنّ ذلك الذنب لن يمحو أثر تلك الصلاة ، وستبقى تلك الصلاة محفوظة مع ذلك الأثر في موضعهما ، كما سيبقى الذنب وأثره محفوظين في موضعها .
ومن ثمّ فإنّ الأعمال الحسنة والأعمال السيّئة لا تُحبط بعضها ، وستُحفظ الأعمال الصالحة في موضعها إلى يوم القيامة ، كما ستُحفظ الأعمال الطالحة في مواضعها ، إذ ينبغي مجازاة الإحسان بالإحسان ، والإساءة بالعقاب .
وسيتعرّض المذنبون لأهوال المحشر وشدائده ، وللوقوف في ساحة العرض ، وللمكث في جهنّم في خاتمة المطاف مقابل الأعمال السيّئة التي اجترحوها ، وصولًا إلى تطهيرهم وتزكيتهم ، ثمّ يدخلون الجنّة بعد ذلك جزاءً على ما فعلوا من الأعمال الحسنة .
فالحقّ - إذاً - أن لا يُفْسَدَ عمل معيّن يقوم به المرء إثر عمل آخر ، وعلى الإنسان أن لا يقنط أبداً من رحمة الله ، فإن أذنب وهاله ذنبُه ،