هناك طائفة أخرى انحطّت إلى درجة أن أصبح أفرادها أدنى من البهائم ،
حيث أضاعوا من وجودهم جميع صفات الله وأسمائه ، وانغمروا في الشهوات ، مصرّين على غفلتهم وإعراضهم عن الله تعالى ، فتخطّوا بذلك مرتبة العمل وترسّخت القبائح والمنكرات في وجودهم وأصبحت جزءاً من ذواتهم .
لقد أفسد هؤلاء سرائرهم وبواطنهم من خلال إصرارهم على إنكار الله ورسوله وعدائهم للصالحين من عباد الله ، ونصب العداوة لهم ، فتسبّب ذلك في سريان القبائح من ظواهرهم إلى بواطنهم ، وصار وجودهم منبعاً للشرور ومصدراً ترشح عنه المنكرات والجنايات الظاهريّة والباطنيّة .
وأمثال هؤلاء لا كتاب لهم ، لأنّ الكتاب وصحيفة الأعمال لمن قبائحه ضمن حدود الأعمال ، لا في مرتبة ذاته وفي درجة كينونة ماهيّته وحقيقته . وقد عبّرت الآيات القرآنيّة عن هؤلاء الأفراد بالذين حبطت أعمالهم ، أي الذين أبطلت أعمالهم : اولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمَالُهُمْ .
وأصحاب هذه الطائفة جهنّميّون بحيث إنّهم يجسّدون حقيقة جهنّم وصُلبها ، إذ ليست جهنّم إلّا ظهوراً لذواتهم . كما أنّ دركاتهم ومراتبهم أسفل وأكثر عمقاً من دركات جهنّم وأهلها العاديّين ، فإذا بدرت - مثلًا - خيانة من عقيد في الجيش ، فإنّه لا يُسجن مع الجنود العاديّين الخائنين ، بل يُساق إلى سجنٍ يتناسب مع درجة جرمه وجنايته .
وعليه فليس لهؤلاء كتاب ، ولا يعطون كتابهم من جهة الشقاء .
أمّا أصحاب اليمين فهم من المحسنين ، إلّا أنّ إحسانهم لم يسرِ إلى ذواتهم وبواطنهم ، لأنّهم لم يبيعوا أنفسهم للّه بيعاً تامّاً ، وإلّا لكانوا من المقرّبين . لو كان التفاتهم إلى الحقّ قد بلغ درجة كبيرة ، وغفلتهم كانت قليلة يسيرة ، فهم إذاً من السعداء .
معرفة المعاد — صفحة 45
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٤٥