بنفسك ؛ فمن ذا الذي سيعترف يا ترى ؟
لذا سيختم على ألسن المجرمين وأفواههم ؛ أي أنّ الإنسان سيعجز عن الكلام إذ ستسلب منه القدرة على النطق . وَتُكَلِّمُنَا أيْدِيهِم أمّا الأيدي فتنطق وتتكلّم .
فكيف - يا ترى - ستتكلّم ؟ أيصبح لليد لسان ؟ أيخرج من اليد صوت يتحدّث ؟ كلّا ، بل تكلّم اليد عبارة عن قيامها بنفس العمل الذي فعلته في الدنيا .
إنّكم تقولون : لقد شاهدتُ ذلك المريض ، وكانت ملامح وجهه تنطق بأنّه ليس بصحّة جيّدة . ولقد شاهدت زيداً وكان وجهه يحكي جذله وفرحه . وقد رأيت عمراً وكانت طلعته حاكية عن بهجته وسروره .
فما الذي يعنيه التحدث والحكاية هنا ؟ أتعني حقيقةً أنّ الوجه قد اكتسب لساناً ؟ كلّا بطبيعة الحال . بل معنى ذلك أنّه كان في هيئة تعبّر عن نفسه وتصوّر فرحه ، وتكشف عن الحقيقة في فرحه أو في حزنه وغمّه ، أو في مرضه وانحراف صحّته ، وتشير إلى ذلك الواقع ، وهو ما يُدعى بالحكاية .
حقيقة معنى الكلام هي إبراز ما في الضمير
وأساساً فإنّ المعنى الحقيقيّ للتكلّم وفقاً للمذهب الصحيح في أنّ الألفاظ وضعت للمعاني الكلّيّة ، هو عبارة عن إظهار ما في الضمير . فالمعاني الموجودة في ذهن الإنسان إذا ما أراد إلقاءها . وإفهامها للطرف المقابل ، توجب عليه - إظهاراً لما في ذهنه - الاستعانة بالإشارة والكناية أو بالكتابة أو بنصب علامة وغير ذلك ، أو توجّب عليه أن يتحدّث بلسانه ويتكلّم .
ونظراً لأنّ الطرق الأخرى - غير الكلام - طرق صعبة وعسيرة ؛ فإنّ تلك المعاني تُنقل عن طريق الكلام في قالب الألفاظ المتبادلة بين المتكلّم