ما وراء حجاب المادّة والطبع . وليس ظواهر الأعمال والسلوك ووقائع الأمور والحوادث فحسب ، بل أضحيت تطّلع على حقائقها وبواطنها ونواياها وملكاتها وأخلاقها بلحاظ الخير والشرّ ، والسعادة والشقاء ، والحقّ والباطل .
لهذه الآيات دلالة على أنّ للإنسان مَلَكاً موكّلًا به ، وأنّ لكلّ شخص ملائكة خاصّين لتدوين أعماله وتسجيلها . وبطبيعة الحال فإنّ لكلٍّ من هؤلاء الملائكة الذين خلقهم الله تعالى وظائف ومهمّات خاصّة . فبعضهم للعلم ، والآخر للحياة ، أمّا هذه الطائفة من الملائكة التي يذكرها عزّ وجلّ في هذه الآيات ، فهي طائفة الملائكة الذين يأتون يوم القيامة فيشهدون بما تحمّلوه في هذه الدنيا . أي أنّهم يقومون بتدوين الأعمال ، الصالح منها والطالح :
إذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ .
فهذان المتلقّيان يلازمان الإنسان على الدوام ولا ينفصلان عنه . وهما معه في نومه ويقظته ، وفي سكونه وحركته . حتّى إذا لفظ الإنسان جملةً ما ، دوّناها على الفور . لا يعتريهما غفلة ولا نسيان ، ولا يطرأ عليهما تقاعس ولا فتور في القيام بوظيفتهما .
مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ .
وقد ذكر بعض الأعلام ، كصاحب « مجمع البيان » والعلّامة الطباطبائيّ مدّ ظلّه السامي ، أنّ رقيب وعتيد ليسا اسمي عَلَم لملكينِ ، بل هما صفتان بمعنى الحفيظ وبمعنى المعدّ المهيّأ والحاضر والشاهد .
فهؤلاء الملائكة الحفظة المستعدّون يتسلّمون كلّ جملة يلفظها الفم ، وكلّ قولٍ يصدر من الإنسان ، خيراً كان أم شرّاً ، فيسجّلونه ويدوّنونه .
كما ورد لدينا بهذا المضمون : وَإنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ، كِرَامًا كَاتِبِينَ ،
معرفة المعاد — صفحة 113
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١١٣