وإنّما جمعت بصيغة ذوي العقول لمدبّرها العقليّ ومحرّكها الروحانيّ كما ستعلم ، ومن هذه الطبقة أيضاً من الجهة التي أومأنا إليها الزبانية وسدنة جهنّم المأمورون بقوله تعالى : خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ، ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ . « 1 »
ومنهم الموكّلّون على السحاب والأمطار والبحار والجبال والأرض والمعادن والنباتات وغيرها .
والطبقة الخامسة : هي الأبعاد والأجرام ، وهي أسفل السافلين ومهوى النازلين ومثوى المتكبّرين .
فإذا تمهّد هذا فلنرجع إلى حشر كلّ من هذه الطبقات إليه تعالى بياناً على التفصيل بعد ذكر إجماليّ يعمّها ، وهو أنّ الله تعالى لم يخلق شيئاً إلّا لغاية ، فإنّه ما من موجود ممكن إلّا وله فاعل وغاية ، ومن الموجودات وهي المركّبات ما له علل أربع ، هما مع المادّة والصورة ، إلّا أنّ البسيط لا يكون له من العلل إلّا الفاعل والغاية ، لأنّ صورته بعينها ذاته ولا مادّة له ، وقد ثبت بالبرهان أنّ الغاية الأخيرة في فعله تعالى هي ذاته ، وذاته غاية الغايات كما أنّه مبدأ المبادي ، ولا شكّ أنّ غاية الشيء ما له بالذات أن يصل إليه وينتهي به إلّا أن يعوقه عائق ، وكلّ ما لا يمكن الوصول إليه لم يكن إطلاق اسم الغاية عليه إلّا بالمجاز ، فلا يكون غاية بالحقيقة . وقد فُرض أنّه غاية ، هذا خلف .
فثبت بما ذكر أنّ جميع الممكنات بحسب الجبلّة الغريزيّة طالبة له تعالى متحرّكة إليه تعالى حركة معنويّة ، مشتاقة إلى لقائه بالوصول ، وهذه الحركة والرغبة لكونها مرتكزة من الله تعالى في ذاتها يجب أن لا تكون
هامش
( 1 ) - الآيات 30 إلى 32 ، من السورة 69 : الحاقّة .