جزاء الأعمال ليس خارجاً عنها ، وأنّه نفس تجسّد الأعمال وبروزها وظهورها . وقد برهن المرحوم صدر المتألّهين على هذا الأمر في مواضع كثيرة ، سواءً في كتابه « الأسفار » أم في سائر كتبه الأخرى .
لذا لا يمكن للإنسان الاحتجاج على ربّه يوم القيامة ، بل للّه الحجّة البالغة دوماً على الإنسان ، لأنّ الإنسان يرى نفس عمله ، ويرى الجنّة وجهنّم عين سلوكه وفعله وقد تجلّى في صورة ملكوتيّة :
وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ . « 1 »
وحين يرى الإنسان أنّ وقود جهنّم هو نفس مدركات قلبه ونواياه الباطنة ويرى أنّ الجنّة والحور العين ورضوانٌ من الله أكبر هي نفس مفرزات ذهنه وخلوصه وإخلاصه ؛ فأيّ حجّة سيمكنه - من ثمّ - إقامتها عند ربه ؟ ! وكيف ستكون له الحجّة على ربّه ؟
يقول أمير المؤمنين عليه السلام في الدعاء الذي علّمه لكميل بن زياد النخعيّ : وَلَكَ الحُجَّةُ عَلَيّ في جَميعِ ذَلِكَ وَلَا حُجَّةَ لِي فِيمَا جَرَى عَلَيّ فِيهِ قَضَاؤُكَ . « 2 »
هامش
( 1 ) - النصف الثاني من الآية 46 ، من السورة 41 : فصّلت .
( 2 ) - دعاء كميل من الأدعية القيّمة ذات المضامين العالية . وقد أورده الشيخ الطوسيّ في « مصباح المتهجّد » ص 587 إلى 592 ، في أعمال ليلة النصف من شعبان . وأورده المجلسيّ في « زاد المعاد » ص 61 إلى 73 ؛ كما أورده الشيخ إبراهيم الكفعميّ في « مصباح الكفعميّ » ص 555 إلى 560 ، وفي « البلد الأمين » ص 188 إلى 191 . أمّا المرحوم السيّد ابن طاووس فقد أورده في « الإقبال » ص 706 إلى 710 في أعمال ليلة النصف من شعبان ، حيث نقله بسندين : الأوّل عن جدّه الشيخ الطوسيّ رحمة الله عليه بهذا المضمون أنّه روي أنّ كميل بن زياد النخعيّ رأى أمير المؤمنين عليه السلام ساجداً يدعو بهذا الدعاء في ليلة النصف من شعبان .
والثاني في رواية أخرى بهذا المضمون : قال كميل بن زياد : كنتُ جالساً مع مولاي أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد البصرة ومعه جماعة من أصحابه فقال بعضهم : ما معنى قول الله عزّ وجلّ « فيها يفرق كلّ أمرٍ حكيم » ؟ قال عليه السلام : ليلة النصف من شعبان ؛ والذي نفس عليّ بيده إنّه ما من عبدٍ إلّا وجميع ما يجري عليه من خير وشرّ مقسوم له في ليلة النصف من شعبان إلى آخر السنة في مثل تلك الليلة المقبلة ، وما من عبدٍ يُحييها ويدعو بدعاء الخضر عليه السلام إلّا أجيب له . فلمّا انصرف طرقتُه ليلًا فقال : ما جاء بك يا كميل ؟
قلت : يا أمير المؤمنين ! دعاء الخضر . فقال : اجلس يا كميل ، إذا حفظت هذا الدعاء فادعُ به كلّ ليلة جمعة أو في الشهر مرّة أو في السنة مرّة أو في عمرك مرّة تُكف وتُنصر وتُرزق ولن تُعدم المغفرة . يا كميل ! أوجبَ لك طولُ الصحبة لنا أن نجود لك بما سئلت . ثمّ قال :
اكتب : اللهمّ إنّي أسألك برحتمك - الدعاء .