تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
يأتي البرد القارس فيهدّد الأرض في فصل الشتاء ، ويسقط الثلج فيجعلها مكتئبة ، وتعصف الرياح الباردة القاسية اللاذعة من كلّ صوب وحدب ( مع أنها من آيات الله الكبرى أيضاً وهي لا تختلف عن تلك الوردة والبلبل حقّاً ) ، أمّا في فصل الربيع فتخضرّ الروضة ، وتنمو الأوراد والأزهار ، وتعبق العطور والنسائم المنعشة المبهجة للرياحين والورود من كلّ جهة ، وما ذا تفعل البلابل وطيور الكناري والببغاوات ؟ ومن الذي صنع هذا كلّه ؟ ذَلِكَ بِأَ نَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأنهُ يُحْيِ الْمَوْتَى . إن الله سبحانه يُحي الموتى باستمرار ، وهذه الأمور هي دوماً خلع ولبس ، وموت وحياة ، فظهور الثلج والمطر والبرد اللاذع القارس ، وذَرْأُ الأوراد والبلابل والرياض والمروج هي بأجمعها إحياء للموتى . وليس إحياء الإنسان وبعثه من القبور شيئاً غير هذا ، بل إنّه جزء من أجزاء هذا القانون والناموس العامّ والقدرة اللامتناهيّة . وَأنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . أفتشكّون في حياتكم أنتم ؟ أليست هذه حياةً ؟ ألم تكن هذه ميّتة فأحياها الله ؟ ألم يكن ميّتاً ذلك الإنسان الذي كان نطفة أو تراباً بلا حسّ ولا حركة ؟ فلا تدعوا تلك النطفة إنساناً أصلًا ! إذ إنّها لم تكن شيئاً ، بل كانت عدماً ، كانت عدماً محضاً . ثمّ إنّ الله جاء بالإنسان من كتم العدم إلى الوجود . وهذه البلابل وطيور الكناري ، وهذه الحيوانات ذوات الإحساس والشعور التي لم تكن موجودة ، كانت ميّتة وعدماً أيضاً . وهذه الأوراق والسيقان والأشجار ، وهذه المياه والثمار والنسائم ،