وتتناول طعامها وتتحرّك ، وتغتسل وتسير في الظلمة والنور ، وفي الماء وعلى اليابسة ، وتركب إحدى وسائط النقل ، وتجلس في الباخرة أو الطائرة ، لكنّ رحم الامّ يبقى في كلّ الأحوال كالمهد ، يحتضن الطفل في حجره الحنون . ويهزّه أحياناً بينما يحافظ على استحكامه واستقراره ولا يطرأ عليه اي تزلزل وخلل أبداً . ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا .
ثُمّ نخرجكم من رحم الامّ في هيئة طفل قد نبت شعر رأسه وظهرت أصابعه وأظفاره وخُطّ بنانه ، ونمت رموش عينيه . طفل تتلألأ عيناه وتومضان كمصباحين متألّقين ، يبكي ويُعلن ببكائه جوعه ، وتبحث شفتاه عن الثدي لامتصاص الحليب .
ندفع هذا الطفل باتّجاه كماله دائماً ، ونسوقه إلى فعليّة درجات القابليّة والاستعداد :
ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ .
فنصل بكم إلى مقام إحكامكم واستحكامكم في القوى الظاهريّة ، ونبلغ بكم درجة شدّة الشباب وقوّته وبلوغه والنبوغ في العقل والأحاسيس والنشأة . وكمال قوى التفكير وسائر القوى الباطنيّة ، وقدرة الهيكل الجسميّ وعظمته . وإجمالًا أنكم قد وصلتم إلى مراحل فعليّة القوى الكامنة لديكم .
وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنْكُم مَّن يُرَدُّ إلَى أرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا .
ثُمّ إنّ البعض منكم يُتَوفّون قبل أن يصلوا إلى مرحلة الشيخوخة ، والبعض الآخر يردّون إلى أرذل العمر والعيش ، فيفقدون قواهم بأجمعها وينتابهم العجز بحيث لا يُبقي لهم اي بهجة ونشاط ، ويغلب عليهم النسيان بعد كلّ مراحل العلم والمعرفة ، حتّى كأنهم لم يعلموا شيئاً أساساً .
معرفة المعاد — صفحة 195
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٩٥