هذه المنازل ، لأنهم طووها واجتازوها بأجمعها ؛ فلقد طووا الصيحة الدنيويّة ، وتكوير الشمس ، وخسف القمر واندكاكهما معاً ، وانكدار النجوم ، وتسيير الجبال ، وتعطيل العشار ، وتسجير البحار ، ونشر الصحف وتسعير الجحيم ، وإزلاف الجنّة ، والعلم بما قدّموا وأخّروا ، و . . . واجتازوها وتخطّوها بأجمعها .
وعلينا الآن أن نرى كيف عبر هؤلاء ؟ مع أنّ هذه المنازل والمراحل تعقب هذا العالم وتأتي بعده ، ومع أنّ الجميع يترقّبونها وينتظرونها ؟
فكيف - ترى - طُويت هذه المراتب والمراحل من قبل هؤلاء الأفراد خاصّة خلافاً للآخرين ؟
ينبغي ذكر مقدّمة لإيضاح الأمر :
إن لنا - نحن أفراد البشر - بدناً هو هذا الجسد الطبيعيّ والمادّي الذي يعيش في عالم يماثله في الآثار والخواصّ الطبيعيّة والمادّيّة ، ولنا ذهن هو محلّ خواطرنا وأفكارنا . فهما - أي بدننا وجسمنا - يشتغلان بالتصوّرات الذهنيّة ويفعلان ما يشاءان فعله . فإذا شئنا أن نفعل شيئاً - مثلًا - فإنّ ذهننا سيرسم في داخله صورة متخيّلة لذلك العمل ، ثمّ يقيّم منافع ومضارّ ذلك العمل ، فإذا شخّص مصلحة في ذلك العمل ، وُجدت الرغبة في فعله ، فيأمر الذهنُ البدنَ بفعله ، وآنذاك ينهمك البدن ( وهو المسخّر للذهن ) في ذلك العمل .
وهكذا فإنّ بدننا حين ينجز أي حركة أو سكنة ، كأن ينام أو يصحو أو يصلّي أو يذنب أو يعمل صالحاً ، فإنّ ذلك كلّه يجري وفق تخطيط وتدبير ذهنيّ مُسبق .
كما أنّ لدينا ذاتاً هي نفسنا ؛ فذهننا ذاك ليس داخل بدننا ، كما أنه ليس بالخارج عنّا ، وليس قبلنا ولا بعدنا ، وليس إلى جانبنا ، بل هو محيط
معرفة المعاد — صفحة 195
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٩٥