وهذا هو ذلك القرين الذي كان الإنسان يرغب لو كان بينهما بُعد المشرقين ، والذي عبّر عنه بتعبير :
وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّيهَا .
أو هو تلك النفس الملكوتيّة الرحمانيّة الجميلة البديعة السريعة الإدراك ومحلّ اللطف ومركز المحبّة وترشّح الخيرات التي عبّر عنها بتعبير : قَدْ أفْلَحَ مَن زَكَّيهَا .
إنّ هذه النفس ستلازم الإنسان الذي يذهب في القبر وتكون قرينه ، فيسألها : من أنت فإنّي لم أر مثلك بهاءً ومحبّة وانساً ؟
فتجيب : أنا عملك ، أنا ثمرة سيرتك وسلوكك ، أنا تجلّي ملكاتك وسجاياك وشخصيّتك . لقد قدمتُ معك هنا من الدنيا ، وسأكون معك إلى يوم القيامة ، وحين ستقوم من قبرك سأرد معك إلى المحشر وأحضر في ساحة العرض ومقام العدل الإلهيّ .
يروي الصدوق في « الأمالي » بسنده المتّصل عن العلاء بن محمّد بن فضل ، عن أبيه ، عن جدّه قال : قال قيس بن عاصم : وفدتُ مع جماعة من بني تميم إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله ، فدخلتُ وعنده الصلصال ابن الدلهمس ، فقلت : يا نبيّ الله عظنا موعظة ننتفع بها فإنّا قومٌ نعبر في البرية .
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : يَا قَيْسُ ، إِ نَّ مَعَ الْعِزِّ ذُلًّا ، وَإ نَّ مَعَ الْحَيَاةِ مَوْتاً ، وَإِ نَّ مَعَ الدُّنْيَا آخِرَةً ، وَإِ نَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ، وَعَلَي كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ، وَإِ نَّ لِكُلِّ حَسَنَةٍ ثَوَاباً ، وَلِكُلِّ سَيِّئَةٍ عِقَاباً ، وَلِكُلِّ أجَلِّ كِتَاباً ، وَإِ نَّهُ لَابُدَّ لَكَ يَا قَيْسُ مِنْ قَرِينٍ يُدْفَنُ مَعَكَ وَهُوَ حَيُّ ، وَتُدْفَنُ مَعَهُ وَأنْتَ مَيِّتٌ .
فَإِنْ كَانَ كَرِيماً أكْرَمَكَ ، وَإِ نْ كَانَ لَئِماً أسْلَمَكَ ؛ ثُمَّ لَا يُحْشَرُ إِلَّا مَعَكَ ، وَلَا تُبْعَثُ إِلَّا مَعَهُ ، وَلَا تُسْألُ إِلَّا عَنْهُ ؛ فَلَا تَجْعَلُهُ إِلَّا صَالِحاً .
معرفة المعاد — صفحة 174
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٧٤