تكونوا شاهدتموه في الصحاري ، فإنّ الحقد والحسد والبغضاء تبدو جليّة في عينيه ، وذلك العِناد الذي يُلاحظ فيه مشهودٌ في عينيه بشكل كامل .
أمّا الإنسان فمعجون بديع أودع فيه جميع هذه الغرائز والصفات ، فإذا تبعَ العقل وقهر جميع غرائزه وملكاته وطوّعها لهذه الملكة القدسيّة ، فإنه سيتصوّر في عالم البرزخ بصورة الإنسان الحقيقيّة .
أمّا إذا قهر عقله ونَكَبَهُ وتبع ميوله ورغباته النفسانيّة ، وإذا ما اقتفى أثر غضبه وشهوته وقواه الوهميّة ، فإنه سيُحشر على هيئة الحيوان الذي كانت تلك الصفة فصلًا مميّزاً له . وذلك لأنّ إنسانيّة الإنسان بالعقل والقوّة الناطقة ، والفصل المميّز للإنسان تلك المَلكة الإلهيّة العاقلة ، وما لم يصل الإنسان بنفسه إلى هذا المقام ، وما لم يصل بنفسه إلى مقامه الواقعيّ ، أي الإنسانيّة ، فإنه سيقف - شئتَ أم أبيتَ - في صفّ ورتبة أوطأ من الإنسان ، أي في صفّ الشياطين أو الحيوانات ، وسيحرز وجوده في عالم البرزخ في الصورة البرزخيّة لذلك الشيطان أو ذلك الحيوان .
إراءة الباقر والصادق عليهما السلام لأبي بصير الصور الملكوتيّة
روى محمّد بن الحسن الصفّار في كتاب « بصائر الدرجات » عن محمّد ابن الحسين ، عن عبد الله بن جبلّة ، عن عليّ بن أبي حمزة ، عن أبي بصير قال :
حججتُ مع أبي عبد الله عليه السلام ، فلمّا كنّا في الطواف قلتُ له : جُعلتُ فداك يا ابن رسول الله يَغْفِرُ اللهُ لِهَذَا الْخَلْقِ ؟
فقال : يا أبا بصير إنّ أكثر مَن ترى قردة وخنازير .
قال : قلتُ له : أرنيهم .
قال : فتكلّم بكلمات ثمّ أمرّ يده على بصري فرأيتهم قردةً وخنازير فهالني ذلك ، ثمّ أمرّ يده على بصري فرأيتهم كما كانوا في المرّة الأولى .
ثمّ قال : يَا أبَا مُحَمَّد أنْتُمْ في الْجَنَّةِ تُحْبَرُونَ وَبَيْنَ أطْبَاقِ النَّارِ تُطْلَبُونَ فَلَا تُوجَدُونَ ، وَاللهِ لَا يَجْتَمِعُ في النَّارِ مِنْكُمْ ثَلَاثَةٌ لَا وَاللهِ