لا يرى انّ له مالًا غيره ، واعلم انّ الليل والنهار لم يزالا دائبين في قصر الأعمال وإنفاذ الأموال وطيّ الآجال .
هيهات هيهات قد صبحا عاداً وثموداً وقروناً بين ذلك كثيراً ، فأصبحوا لا يبليهما قد أمرا به مستعدان لمن بقي بمثل ما أصابا فيه من مضى . واعلم انّما أنت نظير إخوانك وأشباهك مثلك كمثل الجسد قد نزعت قوّته فلم يبق الّا حشاشة نفسه ينتظر الداعي . فنعوذ بالله ممّا نعظ به ثمّ نقصر عنه . « 1 »
خطبة أمير المؤمنين عليه السلام في شأن الموت ؛ ومعنى « انَّ وَرَاءَكُمُ لسَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ » .
ومن كلامٍ لأمير المؤمنين عليه السلام :
فَإنَّ الْغَايَةَ أمَامَكُمْ ، وَإنَّ وَرَاءَكُمُ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ ، تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا ، فَإنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ . « 2 »
وكما يحدو سائقو الظّعن بالجمال في الطرق البعيدة والصحاري اللاهبة كي تطوي هذه المسافات ولا تحسّ بطول الطريق حتّى يصلون بها أخيراً إلى مقصدها ويحطّون برحالها على الأرض ؛ فانّ أمير المؤمنين عليه السلام يشبّه الأجل بحُداء الحادي الذي يحدو بالانسان من خلفه دوماً ليوصله إلى هذا المنزل .
تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا ، يقول : انّ أرواح الأنبياء والأئمّة والأولياء والمنزّهين قد رحلت جميعاً فاختارت منازلها في الجنّة ، ولقد استقرّت أرواح المخلصين والمقرّبين في مقصدها ، ووصلت القافلة إلى منزلها . فيا عباد الله ، ما تعلّلكم ؟ انّ ثقل الأوزار والعلائق الماديّة والشهوات المتكاثرة قد انقض ظهوركم وأخّركم عن السير وأضجركم وتقاعد بكم
هامش
( 1 ) - كتاب السرائر ، الطبعة الحجريّة ، باب المستطرفات ، ص 20 من هذا الباب .
( 2 ) - الخطبة 21 من نهج البلاغة ج 1 ، ص 58 ، شرح محمّد عبده ط مصر .