فهذا الخطاب موجّه إلى حقيقة الانسان أي روحه ، وليس موجّهاً إلى بدنه .
ولقد خلق الله سبحانه الروح من عالم التجرّد ووهبها البدن لاستكمال القوى ، كي تتمكّن من الحركة في هذا العالم وتتجّه دوماً - بعد طيّ العوالم الأخرى - إلى الله سبحانه فتنال مقام لقاء حضرته .
والشاهد الآخر انّ الله سبحانه يخاطب أهل جهنّم في الآية 112 ، من السورة 23 : المؤمنون .
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ، قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أوْ بَعضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعَادِّينَ ، قَالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلَّا قَلِيلًا لَوْ انَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ .
فقد عُبّر في هذه الآيات عن الحياة والعيش في الأرض بلفظ اللبث الذي يمتلك معنى التوقّف والإقامة المؤقّتة ، وهو ما يصدق على من يطوي طريقاً طويلًا ثمّ يتوقّف أثناء الطريق فيمكث قليلًا . كما لو انّ الانسان يأتي إلى هذا العالم من عالم آخر فيلبث فيه ويتوقّف مدّة ثمّ يرحل عن هذا العالم ويُهاجر ، وهو ما يصدق على الروح والنفس الآدميّة التي كانت في عوالم الذرّ ثمّ جاءت إلى عالم المادّة فارتدت لباس المادّة على الأرض ، ثمّ خلعت هذا اللباس وتركته مرتحلة نحو عالم البرزخ والقيامة . انّ الروح تخلع لباس البدن المهترئ فترتدي الخلعة الإلهية أو تبتلى بالعقاب جزاء أعمالها .
لذا فانّ التعبير عن توقّف الروح في الدنيا بلفظ اللبث في هذه المحاورات تعبيرٌ صحيح ، امّا لو كان الخطاب موجّهاً لإنسان قوامه بدنه فهو يفنى بفناء بدنه وموته ، فلا ينبغي آنذاك التعبير بلفظ اللبث والتوقّف ، بل ينبغي استخدام لفظ السكن والإقامة وأمثالها .
الموت تطهير وتزكية للإنسان .
يروي الصدوق في كتاب « معاني الأخبار » عن محمّد بن القاسم