عليها أو على غيرها فليس بالمعنى المتعارف ، وهو الذي ذكرنا [ 1 ] ، بل بمعنى النقص والقصور الذّاتيّين لكلّ وجود معلول ، بالنسبة إلى علّته ، وأمّا الثّاني ، فكالموجودات الكائنة التي يعرض لها في عالم التّضادّ والتّزاحم ودار القسر فساد أو منع عن بلوغ الكمال . فهذا أيضا ينبغي وجوده من ذلك المبدأ الذي هو فاعل الخيرات لأنّ تركيب إيجاده لأجل شرّه القليل ترك لخير كثير ، وترك خير الكثير لأجل الشرّ القليل شرّ كثير . فالنار كمالها الإحراق وفيها منافع جمّة فانّ الأنواع الكثيرة لا يمكن وجودها حدوثا وبقاء بدونها ، وكمالاتها الأولوية والثانوية منوطة بها ، وقد يتفق أنّها تحرق ثوب سعيد . فالعناية الإلهيّة لا يمكن أن يترك تلك الخيرات الكثيرة لأجل ذلك الشّر القليل ، مع انّه لو قيس مقدار استضرار ذلك السّعيد بالنار إلى مقدار انتفاعه طول عمره بها ، لم يكن بينهما نسبة يعتدّ بها ، فكيف إذا قيس إلى جميع المنتفعين بها . ثم إنّ هذا الشرّ القليل مجعول بالعرض . ومعنى قولهم انّ الشرّ مجعول أو مقضيّ ومقدّر بالعرض شيئان :
أحدهما ، أنّ الشرّ عدم فلا جعل يتعلّق به بالذّات كما أنّ أعدام الملكات مجعولة بالعرض لملكاتها . والانتزاعيات جعلها بمعنى جعل منشأ انتزاعها إذ ليس لأنفسها ما يحاذيها حتّى لا يستدعي جعلا بالذّات ، وثانيهما ، انّ النّار الّتي هي موجود من الموجودات [ 2 ] ويقال أنّها شرّ ، فهي مجعولة
هامش
[ 1 ] أي عدم الذات أو عدم كمال الذات ، إذ لا عدم في السّماوات والسّماويات الاّ العدم المجامع ، فانّ العدم المقابل : إمّا باعتبار حلول الضدّ في محلّ الضدّ فلا تضادّ فيها ، وإمّا باعتبار انحلال التركيب فلا تركيب فيها كما في المواليد الثلاثة وإن كان الثاني راجعا إلى الأوّل لأنّ الفصل ضدّ الوصل والافتراق ضدّ الاجتماع في الأكوان الأربعة . وأيضا ما لم يغلب إحدى الكيفيّات المتضادّة على الأخرى لم ينحلّ المركب في المواليد . منه .
[ 2 ] هذا مثال من التكّوينيّات . وأمّا المثال من التكليفيّات ، فهو أنّ الوهم الذي هو شيطان داخليّ ولم يسجد لآدم الذي هو العقل وقد سجد له كلّ القوى المدركة والمحرّكة والطبيعيّة وغيرها كالأعضاء ، جعله الجاعل لإدراك المعاني الجزئية من محبّة الأقارب والأصدقاء والملائمات الجزئيّة وعداوة