تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
إلهام ، ووحي منام ، ووحي إعلام ، وهو الفهم عن اللّه ، وانفردت الأنبياء بوحي الأحكام ، فالأولياء لهم وحي الإلهام ، ويكون أولا مجملا في القلب ، فإذا قرأه ، أظهر تتبعه وبينه ، قال تعالى :
فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
كما قرأناه عليك
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
حتى تفهمه وتبينه للناس ، كان صلى اللّه عليه وآله وسلم يعالج من التنزيل شدة مخافة أن ينساه ، فلما نزلت الآية كان يستمع لجبريل ، فإذا فرغ قرأه كما أنزل ، فالوحي الذي هو وحي أحكام مصون فلا ينسى ، بخلاف وحي الإلهام ، فلذلك ينبغي للولي أن يقيد تلك الواردات قريبا ، فإن الحكمة في حال التجلي تكون كالجبل ، فإذا غفل عنها ترجع كالجمل ، فإذا غفل عنها بعد رجعت كالثور ، ثم كالكبش ، ثم كالبيضة ثم تغيب ، ولذلك كان شيخ شيوخنا سيدي علي رضي اللّه تعالى عنه لا تفارقه الدواة والقلم والقرطاس ليقيد المواهب ، وكذلك كان أشياخنا وكانوا يأمرون بذلك . قلت : وجل هذا الشرح الذي نقيده إنما هو مواهب ، لأني أكتب الحكمة ولا أدري ما أكتب ، فأقف مفتقرا إلى ما عند اللّه ، فإذا ورد شيء من عند اللّه كتبته أولا ، ثم أنظر في كتب القوم إن وجدت نقلا غريبا موافقا لما أفاض اللّه علي كتبته ، وإلا تركته واكتفيت بما أتى اللّه ، وكثيرا ما نكتب الكلام ثم نطالعه ونستغرب أني كتبته أو صدر مني ، وذلك كله ببركة صحبة أشياخنا فجزاهم اللّه عنا أحسن جزائه ، ولقد كنت في حال الرياضة والمجاهدة إذا أردت أن نتكلم في التفسير أو غيره ، نشرع في الكلام ثم نغيب ، فكنت نحس بالكلام يخرج مني من غير اختيار كأنه السحاب ، فتصدر مني علوم وحكم ، فإذا سكت لم يبق منها إلا القليل ، ولقد حضر معنا ذات يوم رجل صالح كبير السن فسمع ذلك فقال : واللّه لقد حضرت مجالس العلماء والصالحين ، واللّه ما رأيت مثل هذه الجواهر واليواقيت التي تخرج من سيدي فلان ، فبقيت كذلك مدة غير أني لم نكن نقيد شيئا ، ثم انتقل ذلك إلى حال التقييد فصار القلم عندي أفصح من عبارة اللسان . وكان بعض العارفين يقول لأصحابه : إذا كنت أتكلم عليكم أكون أستفيد من نفسي ما يجريه اللّه على لساني ، كما تستفيدون أنتم منى ، وفي ذلك يقول ابن الفارض رضي اللّه تعالى عنه :
ولا تك ممن طيّشته طروسه * بحيث استخفّت عقله واستفزّت
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 432 | محمد عبد القادر نصار / أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى