ومن المحرم أيضا ما فيه إلحاح وإضرار بالمسؤول ، قال تعالى :
لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً
[ البقرة : 273 ] . قلت : وأما ما يفعله بعض أصحابنا من صورة الإلحاح بنا فإنما قصدهم بذلك قتل نفوسهم بما يسمعون من المسؤول في جانبهم ، ولا يفعلونه إلا مع من يعرف عندهم بالإنكار ، فيستخرجون منه الحلال اختبارا لأنفسهم ، وقد يقصدون بذلك تحقيق الإخلاص وسترا للحال ، فيظهرون الرغبة وهم من أزهد الناس تحقيقا للاكتفاء بعلم اللّه ، وما كان ذلك إلا في حال قوتهم وجذبهم فالسكر غالب عليهم ، هذا ما حققته منهم ، وقد انقطع ذلك كله اليوم ، فما بقي إلا أهل الصفاء وأهل الوفاء . وسبب دخول السؤال في هذه الطائفة أن شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل العمراني رضي اللّه تعالى عنه كان له جاه ووزارة ورياسة في فاس ، فلما دخل في يد الشيخ ورأى صدقه وجده قال له : أرى لك خمرة لم يقدر عليها أحد قبلك ، ولولا ما رأيت فيك من الصدق والجد ما دللتك عليها ، قال : وما هي يا سيدي ؟ فقال :
السوق للسؤال ، هكذا سمعته من بعض الإخوان . والذي رأيته في كتابه أنه قال له : يا ولدي أراك تطلب هذا العلم ولا تنال منه ما تريد إلا بالذل ، فدخل فيه وسكن إلى مماته ، فلما ذاق سره ورأى ما فيه من الأسرار ، وما يقطع به المريد في سيره من المفاوز والقفار سير أصحابه عليه ، ودلهم على استعماله ، فكان أصل مشروعيته قتل النفوس ، لا قبض الفلوس ، فمن استعمله لقتل النفوس ، ولج حضرة القدوس ، إذ ما حجبنا عنها إلا حياة النفوس ، ومن استعمله لقبض الفلوس نال الشقاء والبؤس ، وينبغي أن يكون في حال السؤال يده مشيرة إلى الخلق وقلبه معلق بالحق ، قال في « المباحث » :
وأدب الصوفيّ عند المسألة * أن يدخل السوق إليه يسأله
لسانه يشير نحو الخلق * وقلبه معلّق بالحقّ
وقد ذكر ابن ليون التجيبي السؤال ، وبيّن أصله ، وذكر مسألة الزنبيل ، وكيفيته أن يتوضأ الرجل ويصلي ركعتين ويأخذ الزنبيل ، يعني وعاء بيده اليمنى ، ويخرج إلى السوق ومعه رجل آخر يذكر اللّه ويذكر الناس ، والناس يعطونه في ذلك الزنبيل حتى يجمع ما تيسر من الطعام ويصبه بين الفقراء ، فيأكلون طعاما حلالا بلا تكلف ولا كلفة ، هذا ما تيسر لنا في حكم