تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
وقد سأل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لأصحابه حين قدموا عليه عراة ، ويدخل في المندوب ما كان لرياضة النفوس حيث لم يخف عليه كما تقدم . وأما المكروه : هو أن يسأل لقوت البشرية مع القدرة على الاستغناء عنه بسبب من الأسباب ، وهذا ما لم ينقطع للعبادة ويتجرد إلى الذكر ، وأما المنقطع إلى اللّه فلا بأس به ، وقد فعله كثير من العارفين المحققين . فقد كان أبو جعفر الحداد وهو شيخ الجنيد يسأل بابا أو بابين أو ثلاثا بين العشاءين ، فكانت العامة تتعجب منه أولا ثم عرف بذلك ، فكان لا يعبييه عليه العامة ولا الخاصة مع جلالة قدره ، وعلو معرفته بربه . وكان الشيخ أبو سعيد الخراز إذا اشتدت به الفاقة يمد يده ويقول : من عنده شيء للّه ؟ وكان إبراهيم بن أدهم معتكفا بجامع البصرة ، ولا يفطر إلا من ثلاثة أيام إلى ثلاثة أيام ، يخرج بعد صلاة المغرب يطلب على الأبواب فطره . وكان سفيان الثوري رضي اللّه تعالى عنه يسأل الطعام للّه ، فإن فتح بكثير أخذ كفايته وترك الآخر ، وأكثر الرجال على هذه الحال قطعوا الدنيا الفانية لإيثارهم الأخرى الباقية ، وكل ذلك لا يقدح في شريعة ولا حقيقة ، ولا يطفئ نور المعرفة ، وقد أشار ابن البناء إلى هذين القسمين أعني المندوب والمكروه ، فقال :
وكرهوا سؤاله لنفسه * ثم أباحوه لأجل جنسه ولم يعدّوه من السؤال * لكن من العون على الأعمال إذ كان خير الخلق في أترابه * يسأل أحيانا إلى أصحابه
وأما المباح : فهو أن يسأل الحاجة الغير ضرورية كسؤاله لقضاء دينه ، أو ما يزيد على ستر عورته وسد رمقه ، أو غير ذلك مما ليس بضرورة لكنه حاجيّ : أي محتاج إليه . وأما المحرم : فهو أن يسأل تكثرا أو زيادة على ما يكفيه ، وفي الحديث : « من له أربعون درهما فالسؤال عليه حرام « 1 » » ، وفيه ورد الحديث : « إنّه يبعث يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم « 2 » » .
هامش
( 1 ) لم أقف عليه بهذا اللفظ . ( 2 ) رواه البخاري ( 2 / 536 ) ، ومسلم ( 2 / 720 ) .