تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
والجبروت ما يدرك بالبصيرة والمعرفة ، وهذه العوالم محلها واحد وهو الوجود الأصلي والفرعي ، وإنما تختلف التسمية باختلاف النظرة ، وتختلف النظرة باختلاف الترقي في المعرفة ، فالوجود عند المحققين من العارفين واحد : قسم لطيف غيب لم يدخل عالم التكوين ، وقسم كثيف دخل عالم التكوين ، فالأول يسمى عالم الغيب ، والثاني عالم الشهادة ، وما كان خفيّا في عالم الغيب ظهر في عالم الشهادة ، فمن نظر إلى حس الأشياء الظاهر سماه ملكا ، ويسمى أيضا عالم الحكمة وعالم الأشباح ، ومن نظر إلى أسرار المعاني القائمة بالأواني وهي أسرار الذات القائمة بأنوار الصفات سماه ملكوتا ، ومن نظر إلى الأسرار الأزلية التي كانت حال الكنزية التي لم تدخل عالم التكوين سماه جبروتا . أو تقول : ومن نظر إلى الكثيف « 1 » الذي دخل التكوين ورآه مشتغلا بنفسه قائما بقدرة اللّه سمي في حقه ملكا ، وهو لأهل الحجاب من أهل الفرق ، ومن رآه نورا فائضا من النور اللطيف متصلا به إلا أنه تكثف بالقدرة وتستر بالحكمة سماه ملكوتا ، وسمي اللطيف الباقي على أصله الذي لم يدخل عالم التكوين ، الذي هو أول كل شيء وآخر كل شيء ومحيطا بكل شيء جبروتا ، فإن ضم الفرع إلى أصله والكثيف إلى اللطيف سمي الجميع جبروتا ، وهذه المعاني لا يفهمها إلا أهل الأذواق بصحبة أهل الأذواق ، وحسب من لم يبلغ لهذا المقام التسليم ، وإلا وقع في الإنكار على أولياء اللّه بما لم يحط به علما . ولنرجع إلى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه فنقول : ربما كشف اللّه عنك الحجاب ، وترقيت إلى الدخول مع الأحباب ، فأخرجك من سجن رؤية الأكوان إلى شهود المكّون ، ومن عالم الأشباح إلى عالم الأرواح ، فأطلعك على غيب ملكوته ، فأبصرت الكون كله نورا فائضا من بحر الجبروت ، فألحقته بأصله ، وفنيت عن شهود الملك الذي هو عالم الفرق بشهود الملكوت ، الذي هو عالم الجمع الذي قال فيه ابن البناء :
مهما تعدّيت عن الأجسام * أبصرت نور الحقّ ذا ابتسام
وحجب عنك الاستشراف على أسرار العباد رحمة بك ، لأنك قد تحجب بذلك عن شهود الملكوت ، فلا عبرة عند المحققين بمكاشفة أسرار العباد ، فقد تكون عقوبة في حق صاحبها كما
هامش
( 1 ) في المطبوع : الكفيف .