تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
« ربّ أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على اللّه لأبرّه « 1 » » ، في قسمه . فمن أراد معرفته بالصورة فلا يعرفه ، لأنه لا يرى إلا بشرا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ، فالعين لا ترى إلا الأجسام الكثيفة التي يطرأ عليها ما يطرأ على أهل الحجاب ، ولم يدرك ما انطوت عليه الصورة من المعاني اللطيفة ، والأسرار المنيفة . فمن أراد اللّه سعادته رزقه الاعتقاد والتصديق أولا ، ثم الهداية والتوفيق ثانيا ، فالتصديق بأسرار الولاية أول المعرفة ، ولهذا قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه : التصديق بطريقتنا هذه ولاية . وقال بعضهم : للّه رجال لا يعرفهم إلا الخاصة ، وللّه رجال يعرفهم الخاصة والعامة ، وللّه رجال لا يعرفهم لا الخاصة ولا العامة ؛ وللّه رجال أظهرهم في البداية وسترهم في النهاية ، وللّه رجال سترهم في البداية وأظهرهم في النهاية ، وللّه رجال لا يعرفهم سواه ولا يطلع على ما بينه وبينهم إلا الحفظة الكرام ، الذين وكلوا بحفظ السرائر ، وللّه رجال اختص اللّه بمعرفتهم لا يظهر حقيقة ما بينه وبينهم للحفظة فمن سواهم حتى يلقونه ، فهم شهداء الملكوت الأعلى ، وهم المقربون ، وهم الذين يتولى اللّه قبض أرواحهم بيده ، وهم الذين طابت أجسامهم من طيب أرواحهم ، فلا يعدو عليها الثرى حتى يبعثون مشرقين بأنوار البقاء المجعول فيهم ببقاء الأبد مع الباقي الأحد ، وهم المخفقون تحت حجاب الأنس ، المغموسون في بحار المحبة والقدس ، فليس لهم مع غيره قرار ، ولا عن أنفسهم إخبار ، تولى اللّه شأنهم :
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ
[ المائدة : 56 ] انتهى . قال الشطيبي رضي اللّه تعالى عنه : وهذه الأسرار التي انطوت عليها أسرار الأولياء واحتجبت عن العامة هي أسرار الملكوت الغيبية التي أشار إليها بقوله :

157 - ربّما أطلعك على غيب ملكوته ، وحجب عنك الاستشراف على أسرار العباد .

قلت : الملكوت مبالغة في الملك ، هذا باعتبار اللغة ، وأما باعتبار اصطلاح الصوفية فالعوالم ثلاثة : ملك وملكوت وجبروت : فالملك ما يدرك بالحس والوهم ، والملكوت ما يدرك بالعلم والفهم ،
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .