الباب السابع عشر
قال رضى اللّه تعالى عنه :
156 - سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصّل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه .
قلت : الدليل هو الموصل للمطلوب ، فإذا صار الحق تعالى بك إلى ولي عارف به ودلك عليه ، فقد سار بك إلى معرفته ودلك عليه ، فمهما دلك على وليه ، وأطلعك على سره ، فقد دلك عليه قطعا ، ووصلك إلى حضرته سريعا ، فلم يجعل الحق سبحانه الدلالة على أوليائه والوصول إليهم إلا من جهة الدلالة عليه ، ولم يوصل أحدا إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه ؛ فلأجل هذه الملازمة وعدم الانفكاك تعجب الشيخ من ذلك . وقال شيخنا رضي اللّه تعالى عنه في قول المؤلف رضي اللّه تعالى عنه : وصولك إلى اللّه وصولك إلى العلم به ، قال : وصولك إليه وصولك إلى عارف به ، يعني مهما وصلك إلى عارف به وأطلعك عليه فقد وصلك إليه ، ومهما حجبك عن العارفين به فقد حجبك عنه ، فلا طريق إلى معرفة اللّه إلا من طريق معرفتهم ، ولا دليل على اللّه : أعني على معرفته الخاصة العيانية إلا من حيث الدليل عليهم ، وكما حجب الحق سبحانه ذاته المقدسة بعزته وقهريته كذلك حجب أولياءه بما أظهر عليهم من أوصاف البشرية ، فلا يعرفهم إلا من سبقت له العناية الربانية ، إذ لا يعرف الخواص إلا الخواص . قال في « لطائف المنن » : أهل اللّه من خاصة عباده هم عرائس الوجود ، والعرائس محجوبون عن المجرمين ، فهم أهل كهف الإيواء ، فقليل من يعرفهم . وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه : معرفة الولي أصعب من معرفة اللّه ، فإن اللّه معروف بكماله وجماله ، ومتى تعرف مخلوقا مثلك يأكل كما تأكل ، ويشرب كما تشرب ؟ ثم قال : وإذا أراد أن يعرفك بولي من أوليائه ، طوى عنك شهود بشريته ، وأشهدك وجود خصوصيته انتهى . وأيضا فإن الولي لا يعرف بالصورة الظاهرة ، وإنما يعرف بالمعاني الباطنة ، لأن اللّه لا يعبأ بالصور :