الإنكار على أهلها قديما وحديثا حتى قال الكفار :
ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ
[ الفرقان : 7 ] ، وقالوا :
ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
[ المؤمنون : 24 ] ، ووقوع الإنكار على أولياء اللّه سنة ماضية ، وحكمة ذلك إجلال وتعظيم لها أن تبتذل وتظهر بوجود الإظهار ، وأن ينادى عليها بلسان الاشتهار ، فلا يبقى لها سر ولا عز ، ولهذا طولب « 1 » الأولياء بالخمول واستعمال الخراب والتلبيس ، قال الششتري رضي اللّه تعالى عنه :
إذا رأيت الوجود * قد لاح في ذاتك
هودس ولازم الجحو * د ذاتك وصفاتك
واضرب بترسك ال * عقود وألق عصاتك
والتهودس : التحمق ، والترس : ما يستر به الإنسان مواقع النبل ؛ والمراد بالعقود العلائق والشواغل : أي اضرب بسيف عزمك علائقك وعوائقك ، وإلقاء العصى : كناية عن طرح كل ما يستند إليه أو يعتمد عليه من أصحاب أو أحباب ، أو أسباب أو حول أو قوة ، أو غير ذلك مما يقع الركون إليه ، ويحتمل أن يريد بأنوار السرائر معاني الصفات السارية في الذات ، وبكثائف الظواهر المحسوسات الظاهرة ؛ فلا ظهور للصفات إلا بالذوات الحسية ، ولا قيام للذوات إلا بالصفات ، فستر اللّه سبحانه صفاته الأزلية اللطيفة ، بظهور الذوات البشرية الكثيفة ، صونا لسر الربوبية أن يبتذل بالإظهار ، أو ينادى عليه بلسان الاشتهار . والحاصل : أن الأشياء كلها قائمة بين ذات وصفات ، بين حس ومعنى ، بين قدرة وحكمة ؛ فستر الحق سبحانه معاني أسرار الذات اللطيفة ، بظهور الذوات الكثيفة ، وستر المعنى اللطيف ، بالحس الكثيف ، وستر القدرة بالحكمة ، والكل من اللّه ، وإلى اللّه ، ولا موجود سواه ، وهذه الكثائف الظاهرة هي أردية وقمص للمعاني اللطيفة . أو تقول : هي رداء الصون الذي نشر على الكون ، فإذا انهتك الرداء أو قطع بقي المعنى سالما ، فالتصرفات القهرية إنما تجر الأردية والستور ، دون المعاني والنور ، فالحق منزه ومقدس أن يلحقه ما يلحق العبيد ، فلتكف عن طلب المزيد ، والعجز عن
هامش
( 1 ) بالمطبوع " طلب " وما أثبتناه أقرب إلى الصواب .