وهي التي أشار إليها الحق تعالى بقوله :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ
[ آل عمران : 14 ] إلخ الآية ، ويدخل فيها ما يلائمها من حب الجاه والرياسة ، وحب المدح والتعظيم ، وغير ذلك من شهواتها وعوائدها ، وهي التي حجبت جلّ الناس ، وساقتهم إلى الخيبة والإفلاس ، نسأل اللّه العصمة بمنه وكرمه . ويدخل في الأغيار العلوم العقلية واللسانية ، فالاشتغال بها والوقوف مع حلاوتها من أشد الحجب عن معرفة اللّه ، أعني المعرفة الخاصة ، ويدخل فيها أيضا الكرامات الحسية ، كالطيران في الهواء والمشي على الماء ؛ فالوقوف مع ذلك من أشد الحجب أيضا ، ولذلك قال بعضهم : أشد حجابا عن اللّه العلماء ثم العباد ثم الزهاد ، فسبحان من حجب العلماء بعلمهم عن معلومهم ، والعباد بعبادتهم عن معبودهم ، والصالحين بصلاحهم عن مصلحهم ، واللّه من وراء ذلك كله ، وفي ذلك يقول الششتري رحمه اللّه :
تقيّدت بالأوهام لما تداخلت * عليك ونور العقل أورثك السجنا
وهمت بأنوار فهمنا أصولها * ومنبعها من أين كان فما همنا تبعّد
وقد تحجب الأنوار للعبد مثل ما * من إظلام نفس حوت ضغنا
وحكمة وجود هذه الأنوار الحسية والأغيار الظلمانية تغطية وستر لأنوار السرائر الباطنية ، كما أبان ذلك بقوله :
155 - ستر أنوار السرائر بكثائف الظواهر ، إجلالا لها أن تبتذل بوجود الإظهار ، وأن ينادى عليها بلسان الاشتهار .
قلت : أنوار السرائر هي العلوم اللدنية والمعارف الربانية ، ويجمعها علم الربوبية الذي يجب كتمه عن غير أهله ، ومن أباحه أبيح دمه ، وهو الذي قتل بسببه الحلاج ، وكثائف الظواهر هي البشرية الظاهرة ، أو تقول : أنوار السرائر هي الحرية الباطنية ، وكثائف الظواهر هي العبودية الظاهرية ، أو تقول : أنوار السرائر هي علم القدرة الباطنية ، وكثائف الظواهر هي علم الحكمة الظاهرة ، فأنوار السرائر معان لطيفة رقيقة سترها اللّه تعالى بالكثائف الظاهرة ، ولذلك وقع