تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١

154 - ربّما وقفت القلوب مع الأنوار ، كما حجبت النفوس بكثائف الأغيار .

قلت : قد تقف بعض القلوب مع أنوار المقامات دون الوصول إلى الغايات ، فتحجب عن الوصول كما حجبت النفوس بكثائف المحسوسات عن إدراك لطائف المعاني والمفهومات ، وذلك إما لعدم شيخ التربية ، أو لضعف الهمة عن الترقية ، فقد ينكشف لبعض القلوب عن سر توحيد الأفعال ، فتفنى في العمل وتذوق حلاوته فتقف معه ، وهواتف الحقيقة تناديها الذي تطلبه أمامك ، وقد ينكشف لها عن سر توحيد الصفات ، وتلوح لها أنوار المقامات ، كتحقيق الزهد والورع وصحة التوكل ، والرضا والتسليم ، وحلاوة المحبة والاشتياق ، إلى غير ذلك فتقنع بذلك وتقف هنالك ، والمطلوب هو الكشف عن سر توحيد الذات وأنوار الصفات :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
[ النجم : 42 ] ، فالنور عبارة عن الحلاوة والقوة التي يجدها المريد في باطنه من مزيد إيمان وقوة إيقان ؛ فحلاوة الخدمة لأهل الفناء في الأفعال ، وحلاوة الذكر الحسي اللساني أو القلبي لأهل الفناء في الصفات مع الحجاب ، وحلاوة الفكرة والنظرة لأهل الفناء في الذات . وإن شئت قلت : ربما وقفت القلوب مع أنوار الأحوال ، فتحجب عن مقامات الرجال ، أو مع أنوار المقامات ، فتحجب عن معرفة الذات ، ولذلك قال الشيخ ابن مشيش رضي اللّه تعالى عنه لتلميذه أبي الحسن رضي اللّه تعالى عنه : أشكو إلى اللّه من برد الرضا والتسليم ، كما تشكو أنت من حر التدبير والاختيار ، خاف رضي اللّه تعالى عنه أن يحجب بحلاوة الرضا والتسليم عن شهود الذات . واعلم أن الوقوف مع الأحوال أو المقامات إنما هو من عدم الوصول إلى الشيخ ، وأما من صحب الشيخ وأكثر الوصول إليه فلا بد أن يرحله إلى المقصود ، إلا أن يرى همته ضعيفة لا تطيق أنوار الشهود فيتركه على ما هو عليه حتى تنهض همته إلى شهود المعبود ، وشبه الشيخ رضي اللّه تعالى عنه حجب القلوب بالأنوار بحجب النفوس بالأغيار ، لاشتراكهما في الحجب عن اللّه ، لكن حجب النفس بالأغيار أشد لأنها ظلمة ، والظلمة أشد حجابا من النور ، فالقلوب نورانية حجبت بالنور ، والنفوس ظلمانية حجبت بالظلمة ، وكثائف الأغيار هي ما ظهر من بهجة الدنيا وزخرفها وغرورها وزهرتها ،