والمعصية ، سميت قلبا وهو أول مطالع الأنوار ، فتشرق عليه أنوار التوجه ، فلا تزال تترادف عليه الواردات وهي أنوار التوجه حتى يسكن إلى اللّه ويطمئن بذكر اللّه ، فحينئذ تسمى روحا ، وهو أول مطالع أنوار المواجهة ، فبهذه الأنوار ينكشف الحجاب ، وينفتح الباب ، وتدخل في حضرة الأحباب ، فإذا تصفت من غبش الحس ، وتطهرت من كدر الأغيار سميت سرّا ، وهو أول مطالع أنوار أنوار المشاهدة ، فإذا تزكت من لوث الأنوار ، وهو الوقوف مع المقامات ، أو الالتفات إلى الكرامات ، سميت سر السر وهو أول مطلع أنوار المعانية والمكالمة ، ثم لا حال ولا مقام :
يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا
[ الأحزاب : 13 ] ، وأما الترقي في العلوم والمعارف فلا نهاية له على الأبد ، فالقلوب مطالع ومشارق أنوار التوجه ، والأسرار مطالع ومشارق أنوار المواجهة والمشاهدة والمعاينة والروح والسر قريب بعضها من بعض في المرتبة ، فلذلك سكت الشيخ عن الأرواح لاندراجها في الأسرار . والحاصل : أن النفوس والعقول الظلمة غالبة عليهما ، لأنهما كهما في الحس وفنائهما في الغلس والخنس ، فليستا مطلعا لشيء من النور ، لعدم توجههما إلى الكريم الغفور ، وأما القلب والروح والسر فهي مطالع الأنوار : أي محل طلوعها وإشراقها إلا أن القلب مطلع لأنوار التوجه ، والروح والسر مطلعان لأنوار المواجهة ، وقد تقدم تفسيرهما عند قوله : اهتدى الراحلون إلخ ، وقد سوى الشيخ بينهما ، ومراده ما ذكرناه ، واللّه تعالى أعلم . ثم بين ابتداء مطلع هذا النور وهو القلب ، ثم يشرق على الروح ، ثم على السر فقال :
152 - نور مستودع في القلوب ، مدده النور الوارد من خزائن الغيوب .
قلت : النور المستودع في القلوب هو نور اليقين ، ويكون أولا ضعيفا كنور النجوم وهو نور الإسلام ، ثم لا يزال يتقوى ويستمد من النور الوارد من خزائن الغيوب ، حتى يكون كنور القمر وهو نور الإيمان ، ثم لا يزال ينمو بالطاعة والذكر والصحبة حتى يكون كنور الشمس وهو نور الإحسان ، وخزائن الغيوب هي أنوار الصفات وأسرار الذات ، فمنها تستمد