تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
النفس حظها منه ، وما لاحظ فيه للنفس أقرب للسلامة وأعظم للإفادة ، فالقبض كالليل ، والليل محل المناجاة والمصافاة ، وملاقاة الأحباب ورفع الحجاب ، فربما أفادك في ليل القبض من انخناس النفس ، وذهاب الحس ، وموالاة الأنس ما لا تستفيده في نهار البسط من تحصيل العلوم ، وتحقيق الفنون ، ومجالسة الأخيار ، ومخالطة الأبرار ، فالقبض له فوائد ، والبسط له فوائد ، والعبد لا يدري أيهما أقرب له نفعا ، فتعين الوقوف مع ما يواجهه من جهة الحق ، فيتلقاه بالقبول والأدب ، وقد تقدم آداب كل واحد منهما عند قوله : بسطك كي لا يتركك مع القبض إلخ ، فلا تطلب البسط إن واجهك بالقبض ، ولا تطلب القبض إن واجهك بالبسط ، فقد تستفيد من أحدهما ما لا تستفيده من الآخر ، فلا تدري أيهما أنفع ولا أيهما أضر ، ولذلك استدل بالآية التي نزلت في ميراث الأب من الابن ، فالبسط كالأب لأنه ناشىء من شهود ما منه إليك ، وهو فعل الحق الذي صدر منه كل موجود وهو الأصل ، والقبض كالابن لأنه ناشئ من شهود ما منك إليه وهو الفرع ، إذ الفعل كله من القدرة . وأما الحكمة فإنما هي تغطية ، وإذا كان العبد جاهلا بمنفعتهما كجهله بالأنفع من الآباء والأبناء تعين متابعة الحق باتباع مراده وانتهاجه حاله ، من غير تحول ولا انتقال ، ولا تشوف إلى غير ما هو فيه من ذلك الحال ، بذلك ينتور قلبه ، ويتطهر سره ولبه ، فتكشف عنه الحجب والأستار ، ويتهيأ لحمل الأنوار والأسرار ، كما أبان ذلك بقوله :

151 - مطالع الأنوار القلوب والأسرار .

قلت : المطالع جمع مطلع ، وهو محل طلوع الشمس وغيرها ، والأنوار هنا : الواردات والكشوفات التي تكشف الحجب وترفع رداء الصون عن مظاهر الكون ، وقد تقدم أن النفس والعقل والقلب والروح والسر عند كثير من الصوفية شيء واحد ، وما هي إلا الروح تتطور بحسب التصفية والترقية ، فما دامت مشغولة بحظوظها وشهواتها فهي نفس ونورها مكسوف ، فإذا انزجرت وعقلت بعقال الشرع إلا أنها تميل إلى المعاصي والذنوب ، فتارة تعصي وتتوب ، وتارة تحن وتؤوب ، سميت عقلا ونورها قليل ، لأنها محبوسة في سجن الأكوان ، معقولة بالدليل والبرهان ، فإذا سكنت عن المعاصي إلا أنها تنقلب بين الغفلة واليقظة ، وبين الاهتمام بالطاعة