تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥

الباب السادس عشر

قال رضي اللّه تعالى عنه :

148 - إذا وقع منك ذنب فلا يكن سببا يؤيّسك من حصول الاستقامة مع ربّك ، فقد يكون ذلك آخر ذنب قدر عليك .

قلت : السائر الصديق ، أو الواصل إلى التحقيق ، كالراكب المغير ، جادّا في المسير ، كاد من السرعة أن يطير ، فإذا وقعت منه كبوة أو سقطة ، أو صدرت منه عثرة أو هفوة ، استوى على جواده ، واستمر على إغارته في طلب مراده ، فإذا سقط وجعل يتمرغ في سقطته ، كان ذلك دليلا على فترته ، وعدم تحصيل طلبته ، فإذا وقع منك أيها الفقير ذنب فلا يكن سببا في قطعك عن اللّه ، أو يؤيسك من الاستقامة مع اللّه فيتضاعف عليك وبال المعصية ، وتعظم في حقك المصيبة والبلية ، فقد يكون ذلك رحمة بك وتنبيها لك من سنتك ، كحصول ملل وفترة ، فإذا سقطت نهضت ، وإذا قمت وقد جددت يكون ذلك آخر ذنب قدره اللّه عليك ، وتأمل ما وقع لكثير من الأكابر كانوا لصوصا فصاروا خصوصا ، كإبراهيم بن أدهم والفضيل وأبي يعزى وغيرهم ممن لا يحصى ، فليكن لك بهم أسوة في حسن الظن باللّه ، قال تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
[ الزمر : 53 ] ، وقال :
وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ
[ الحجر : 56 ] ، وقال تعالى :
لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ
[ يوسف : 87 ] ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « كلّ ابن آدم خطّاء ، وخير الخطّائين التوابون « 1 » » ، وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إنّ اللّه يحبّ كلّ مفتنّ توّاب « 2 » » ، يعني كثير الذنب كثير التوبة ، قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
[ البقرة : 222 ] ، فهذه الآيات تقوي رجاء العباد وتوجب الاعتدال والسداد ، وقد بين أصل الرجاء والخوف ومنشأهما فقال :
هامش
( 1 ) رواه الدارمي في سننه ( 2 / 392 ) ، والديلمي في الفردوس ( 3 / 295 ) . ( 2 ) ذكره المناوي في فيض القدير ( 3 / 49 ) .