وفي البخاري في قصة سيدنا موسى عليه السلام : « أنّه خطب على الناس خطبة ذرفت منها العيون ، فقام إليه رجل ، فقال له : هل تعلم أحدا أعلم منك ؟ فقال :
لا ، فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه ، فقال له : بلى عبدنا خضر هو أعلم منك ، فكان من شأنهما ما قصّ اللّه في كتابه « 1 » » . فانظر كيف أدبه بطلب غيره ، حتى صار تلميذا له يأمره وينهاه بقوة وصوله مع عظم قدره وجلالة منصبه ، وما ذلك إلا لإظهار شيء من الحرية ، فكل من أظهر الحرية رده إلى العبودية بالقهرية ، وكل من أظهر العبودية حقق له في باطنه الحرية وملكه الكون بالكلية ، فمن تواضع دون قدره رفعه اللّه فوق قدره ، ومن غيرته تعالى أيضا أن حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، والفواحش : كل ما فحش قبحه وعظم جرمه :
كالزنا والغصب والسرقة والتعدي ، وأكل أموال اليتامى ، وغير ذلك من حقوق العباد فإذا كان منعك أن تدعي ما ليس لك مما هو للمخلوقين من العرض الفاني فكيف يبيح لك أن تدعي وصفه من العزة والكبرياء وهو رب العالمين . فإذا ادّعيت ما ليس لك سلبك ما ملكك ، وإذا تحققت بوصفك وسلمت له وصفه منحك ما لم يكن عندك وآتاك ما لم يؤت أحدا من العالمين ، فكلما نزلت بنفسك أرضا أرضا سما قلبك سماء سماء ، وقد تقدم هذا المعنى في الخمول ، واللّه تعالى أعلم . تنبيه : اعلم رحمك اللّه ووفقك للتسليم لأوليائه أن الحرية إذا تحققت في الباطن لا بد من رشحات تظهر على الظاهر : فكلّ إناء بالذي فيه يرشح ، وصاحب الكنز لا بد أن يظهر عليه السرور ، وصاحب الغنى لا يخلو من بهجة وحبور ، كما قال الشاعر :
ومهما تكن عند امرئ من خليقة * وإن خالها تخفى على النّاس تعلم
ولذلك تجد أهل الباطن رضي اللّه عنهم جلهم أقوياء في الظاهر ، فربما تصدر
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1246 ) ، ومسلم ( 4 / 1853 ) ، والنسائي في الكبرى ( 6 / 391 ) ، وأحمد ( 5 / 116 ) .