ظهرت في مظاهر العبودية ، فمن نظر للعظمة صرفا تحقق بعظمة الربوبية ، ومن نظر لظاهر المظهر تحقق بأوصاف العبودية ، والكامل ينظر لهما معا ، فيتحقق بعظمة الربوبية في الباطن ، ويتحقق بأوصاف العبودية في الظاهر فيعطي كل ذي حق حقه ، فالجميع في باطنه مشهود ، والفرق في ظاهره موجود ، واللّه تعالى أعلم . فإن أظهر أوصاف الربوبية فقد تعدى طوره ، وجهل قدره ، فلابد أن تؤدبه القدرة ، وإلى ذلك أشار بقوله :
126 - منعك أن تدّعي ما ليس لك ممّا هو للمخلوقين ، أفيبيح لك أن تدّعي وصفه وهو ربّ العالمين ؟ .
قلت : الحق تعالى غيور ، فلا يحب لعبده أن يفشي سر خصوصيته ، ولا يرضى لعبده أن يشاركه في أوصاف ربوبيته ؛ فمن غيرته تعالى أن ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية ، ولولا ذلك لكان سر الربوبية مبتذلا ظاهرا وذلك مناقض لحكمته ، وكيف وهو يقول :
إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
[ الأنعام : 83 ] ، ومن غيرته تعالى أن اختص بأوصاف الربوبية ، ونهانا عن إظهارها والتحلي بها حالا أو مقالا ، وذلك كاتصاف العبد بالعز والعظمة والكبر ، وطلب الرياسة والعلو ، أو ادّعاء ذلك بالمقال ، فإن فعل شيئا من ذلك استحق من اللّه الطرد والنكال ، ففي الحديث القدسي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « يقول اللّه تبارك وتعالى : الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحدا منهما قصمته « 1 » » ، وقال أيضا صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« لا أحد أغير من اللّه فلذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن « 2 » » .
هامش
( 1 ) رواه أحمد ( 2 / 376 ) ، وعبد اللّه بن أحمد في السنة ( 2 / 473 ) ، وذكره القرطبي في التفسير ( 18 / 47 ) .
( 2 ) رواه البخاري ( 4 / 1696 ) ، ومسلم ( 4 / 2114 ) ، والترمذي ( 5 / 542 ) ، والنسائي في الكبرى ( 6 / 345 ) .