والحاصل : أنه انعكس بصره في بصيرته فرآه ببصيرته وظن أنه رآه ببصره .
ومعني ذلك أن الروح ما دامت محجوبة بالبشرية كان النظر إنما هو للبصر الحسي فلا يرى إلا الحسي ، فإذا استولت الروحانية على البشرية انعكس نظر البصر إلى البصيرة ، فلا يرى البصر إلا المعاني التي كانت تراها البصيرة ، وهو معنى قول شيخ شيوخنا المجذوب :
غيّبت نظري في نظر * وأفنيت عن كلّ فاني
حققت ما وجدت غير * وأمسيت في الحال هاني
واللّه تعالى أعلم . وإنما أمرك في هذه الدار أن تنظر إليه في مكوناته تسلية لك عن شهود ذاته والنظر إليه ، إذ لا صبر للمحب عن محبوبه ، كما أبان ذلك بقوله :
117 - لما علم أنك لا تصبر عنه ، أشهدك ما برز منه .
قلت : لما فصل الحق سبحانه هذه الروح التي هي لطيفة نورانية من أصلها وتغربت عن وطنها تعشقت إلى أصلها وتعطشت إلى محبة سيدها ، فلما علم الحق سبحانه أنها لا تصبر عنه ، ولا تقدر أن تراه على ما هو عليه من كمال جلاله ونور بهاء جماله ما دامت في هذا السجن الذي هو قفص البدن ، أشهدها الحق تعالى ما برز منه من تجلياته في مظاهر مكوناته وآثار صفاته ، لكن لا بد للحسناء من نقاب ، وللشمس من سحاب ، فبرزت أنوار الجبروت إلى رياض الملكوت ، فغطتها سحائب الحكمة وآثار القدرة ، فبقيت الروح تتعشق إلى أصلها من وراء سحاب الأثر ، فإذا انقشع السحاب ورفع الحجاب لقي كل حبيب حبيبه ، وعرف كل إنسان مثواه ومستقره ، فقنعت الروح بشهود المعاني خلف رقة الأواني ، وإليه أشار الشيخ الغوث أبو مدين رضي اللّه تعالى عنه بقوله :
فلولا معانيكم تراها قلوبنا * إذا نحن أيقاظ وفي النوم إن غبنا
لمتنا أسى من بعدكم وصبابة * ولكنّ في المعنى معانيكم معنى