والإلهامات اللدنية التي بها يترك كل شيء . قال بعضهم : في الدنيا جنة من دخلها لم يشتق إلى جنة الآخرة ، ولا إلى شيء ولم يستوحش أبدا ، قيل وما هي ؟
قال معرفة اللّه . وقال بعض العلماء : ليس في الدنيا ما يشبه نعيم الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة ، وكان بعضهم يقول : التملق للحبيب ، والمناجاة للقريب في الدنيا ليس من الدنيا ، هو من الجنة أظهره اللّه في الدنيا لا يعرفه إلا هم ، ولا يجده سواهم روحا لقلوبهم انتهى .
ومنها ما يجده من الثمرات بعد عملها ، وهو الذي أشار إليه بقوله :
[ وما هو مورده عليهم من وجود مؤانسته ]
.
قلت : هذه المؤانسة التي يجدها العامل بعد العمل على ثلاثة أقسام : مؤانسة ذكر ، وهو لأهل الفناء في الأفعال ، ومؤانسة قرب ، وهو لأهل الفناء في الصفات ، وهم أهل الاستشراف ، ومؤانسة شهود ، وهو لأهل الفناء في الذات ، فالأول لأهل الإسلام ، والثاني لأهل الإيمان ، والثالث لأهل الإحسان ، فمؤانسة الأول : توجب له الفرار من الناس والوحشة منهم ، ومؤانسة الثاني : توجب القرب لهم على حذر منهم ، ومؤانسة الثالث : توجب الصحبة لهم ، ومخالطتهم لأنه يأخذ منهم ولا يأخذون منه ، فالأول لا تليق به إلا العزلة لضعفه ، والثاني تليق به الصحبة مع العفة ليتعلم القوة ، فهو يشرب منهم ولا يشربون منه لبعده منهم بقلبه ، والثالث لا تليق به إلا الصحبة لتحققه بالقوة ، فهو يأخذ النصيب من كل شيء ، ولا يأخذ النصيب منه شيئا ، يصفو به كدر كل شيء ، ولا يكدر صفوه شيء ، ومؤانسة الذكر توصل لمؤانسة القرب ، ومؤانسة القرب توصل لمؤانسة الشهود ، فمن صعد عقبة أفضت به إلى راحة ما بعدها . قال بعض العارفين : ليس شيء من الطاعات إلا ودونه عقبة كئود يحتاج فيها إلى الصبر ، فمن صبر على شدتها أفضى إلى الراحة والسهولة ، وإنما هي مجاهدة النفس ومخالفة الهوى ، ثم واللّه مكابدة في ترك الدنيا ، ثم اللذة والتنعم أي ثم تكون لذة