تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
العبارة وهم الجهال من عموم الناس . ومنهم من يفهم المقصود ، ويجد الحق بعد الإشارة أي بعد سماع الإشارة وهم أهل البداية من السائرين . ومنهم من يفهم الإشارة ويجد المشار إليه وهو الحق أقرب إليه من إشارته وهم أهل الفناء في الذات قبل التمكين . ولهذا تجدهم يتواجدون عند السماع ، ويتحركون وتطيب أوقاتهم وتهيم أرواحهم ، أكثر مما يتواجدون عند الذكر ، لأن الإشارة تهيج أكثر من العبارة ، بخلاف المتمكنين قد رسخت أقدامهم واطمأنت قلوبهم وتحقق وصولهم ، فاستغنوا عن الإشارة والمشير ، ولذلك قيل للجنيد رضي اللّه تعالى عنه : ما لك كنت تتحرك عند السماع وتتواجد واليوم لا نراك تتحرك بشيء ؟ قال :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
[ النمل : 88 ] ، انتهى . وهذا هو العارف الذي لا إشارة له ، لفنائه في وجود الحق وانطوائه في شهوده ، أو تقول لتحقق وصوله وتمكنه في شهوده ، فصار المشير عين المشار إليه لفناء وجوده في وجود محبوبه ، وانطواء ذاته في ذات مشهوده ، أو تقول لزوال وهمه وثبوت علمه فتحققت الوحدة وامتحقت الغيرية : رقّ الزجاج ورقت الخمر ، فتشابها وتشاكل الأمر ، فكأنّما خمر ولا قدح ، وكأنّما قدح ولا خمر ، فالأقداح أشباح ، والخمور أرواح ، أو تقول : لذهاب حسّه وانطماس رسمه ، فانكسرت الأواني وسطعت المعاني :
وطاح مقامي في الرّواسم كلّها * فلست أرى في الوقت قربا ولا بعدا فنيت به عنّي فبان به عيبي * فهذا ظهور الحقّ عند الفنا قصدا أحاط بنا التعظيم من كلّ جانب * وعادت صفات الحقّ مما يلي العبدا
قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه : إن للّه عبادا محق أفعالهم بأفعاله وأوصافهم بأوصافه وذاتهم بذاته وحملهم من أسراره ما تعجز عنه الأولياء . وقال القطب الشيخ ابن مشيش رضي اللّه تعالى عنه ونفعنا ببركاته : وشراب المحبة مزج الأوصاف بالأوصاف ، والأخلاق بالأخلاق ، والأنوار